الاثنين، 26 أكتوبر 2015

صيغة الإجازة القرآنية المكتوبة

صيغة الإجازةِ القرآنيةِ المكتوبةِ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن للإجازةِ القرآنيةِ المكتوبةِ صيغةٌ متَدَاوَلَةٌ بين شيوخ الإقراء في زماننا، وهذه الصيغة تتضمن أمورًا أساسيةً يَذْكُرُها الجميعُ، وأمورًا هي مِن المكمِّلات –إن صح التعبير- مِنهم مَن يذْكُرُها ومنهم من لا يذكُرُها.
وقد اجتهدتُ في تلخيصِ الشكلِ العامِّ والهيكل العامّ لهذه الصيغة، معتمدًا في  ذلك على ما يلي:
1- ما استفدتُه مِن بعض الشيوخ الذين التقيتُ بهم.
2- ما قرأتُه في الكتب التي تطَرَّقَت للحديث عن هذا الموضوع.
3- ما رأيتُه وما أحتفِظُ بِهِ مِن صورٍ لإجازاتِ عددٍ مِن شيوخِ الإقراء.

والشكل العام للإجازةِ يكون على النحو الآتي(1):
يكتُبُ الشيخُ في أعلى الإجازةِ أو في الورقةِ الأولى مِنها –إن كانت في أكثر مِن ورقةٍ- عنوانَ الإجازةِ، والبعضُ يزيدُ على ذلك ذِكرَ اسمِه واسمِ التلميذ.
ثم يبدأ الإجازةَ بالبسملة، والحمدلة، والصلاة والسلام على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، والبعضُ يكتُبُ بعدَ البسملةِ خُطبَةَ الحاجة.
ثم يكتب: "أما بعد".
والبعضُ يُقَدِّمُ بَعْدَ ذلكَ بمقدِّمَةٍ موجَزَةٍ مناسبةٍ للمقام.
ثم بعد ذلك يكتب الشيخُ اسمَه كاملًا؛ بحيثُ يَذكر كنيتَه، واسمَه واسمَ أبيه وجده أو أكثر-مع مراعاةِ الفصل بين الأسماء بـ(ابن)؛ وذلك لتمييز الأسماء المركَّبة-، ولقبَه.
ثم يذكُرُ أن الطالبَ فلان (ويذكر اسمَ الطالب كاملًا –على النحو المذكور آنفًا-) قرأ عليه كذا وكذا مِن القرآن الكريم (يعيِّنُ ما قَرَأ عليهِ بالتحديد)، ويذكر الكيفية التي قرأ بها (غيبًا أو من المصحف)، ويذكر القراءةَ أو الرواية التي قرأ عليه بها، ومِن أيِّ طريقٍ، وأيضًا يذكُر طريقةَ الجمع في حالة تعدُّد الروايات أو القراءات أو الطرق.
ويذكر أن القراءة كانت بالتجويد والإتقان.
وبعضهم يزيد على ذلك ذِكْرَ مكان القراءةِ وتاريخَ بدايتِها ونهايتِها.
وبعضهم يزيد أن الطالب حفِظَ المتن الفلاني والمتن الفلاني من متون التجويد والقراءات الأساسية مع فهمِه له، وبعضهم يكتفي بذكرِ ذلك في الإجازة الخاصةِ بذلك المتن.
ثم يذكُرُ لفظَ الإجازة (أجزتُه، أجزتُ له... ونحوِهِما)، ونوعَها (إجازة قراءةٍ وإقراءٍ، إجازة قراءةٍ فقط).
وإن كان ثمة ملاحظاتٌ على الطالب فإنه يذكُرُها؛ وذلك كأن يكون في المجازِ عيبٌ خِلْقيُّ في حرفٍ معيَّنٍ، أو نحو ذلك.
والبعضُ يَذْكُر صفات وميزات الطالب ومؤهلاته العلمية التي خَوَّلَتْهُ استحقاقَ هذه الشهادةِ.
ثم يذكر الشيخُ شيوخَه الذين قرأ عليهم (والبعضُ يزيدُ فيذكُرُ إلى جانب ذلك مؤهلاتِه العلمية أو شيئًا مِن سيرتِه العلمية وأسفارِه ونحوِ ذلك)، ويذكُرُ أسانيدَه التي أدَّتْ إليهِ القراءةَ أو الروايةَ التي أجازَ بها الطالب (والبعض يكتفي بذِكْرِ إسنادٍ واحدٍ أو بعضِ أسانيدِه)، والأفضل أن تكون أسماءُ الرواةِ مشكولةً. 
وبعضُ الشيوخ يسرد السندَ إلى رب العالمين –جل وعلا-، وبعضهم إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-، وبعضهم إلى أبي عمرٍو الداني ثم يحيل في معرفةِ بقية السند على كتابه: "التيسير"، وبعضهم إلى ابن الجزري ثم يحيل إلى كتابه: "النشر"، ونحو ذلك. إلا أن الأفضل –في نظري- هو ذِكْرُ السلسلةِ كاملةً إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- أو إلى رب العالمين(2) -تبارك وتعالى-.
ثم يذكُرُ الشيخ بعضَ الوصايا للطالب، وشروطَه التي اشترطَها عليه.
ثم يدعو للطالبِ، والبعضُ يزيد الدعاءَ لنفسه وللمسلمين.
ثم يختم بالصلاة والسلام على النبي –صلى الله عليه وسلم- والحمدِ لله –سبحانه وتعالى-.
ثم يكتُبُ تاريخ الإجازة، ويوقّع عليها، ويختمها بخاتمِه.
ثُم يُشهِدُ الطالبُ على الشيخِ مَن شاءَ (والأفضل أن يُشهِدَ أقرانَه النجباء من القراء المنتهين؛ لأنه أنفع له حالَ كِبَرِهِ). وأمرُ الشهادةِ يتعلق بالطالب، يُشهِدُ على الشيخِ مَن يختارُ.

هذا هو الشكل العام للإجازة. والبعضُ يذكُرُها بالترتيب المذكور، والبعضُ يُقدِّمُ بعضَ الأشياء على بعضٍ.

كتبه
علي المالكي
   

_______________________
(1) ذَكَرْتُ الأمورَ الأساسيةَ والأمورَ المستحسنَةَ جميعًا كِلَيْهِما مِن غيرِ تمييزٍ لإحداهما مِن الأخرى. 
(2) البعضُ يُكمِلُ السلسلة إلى رب العالمين –مع أن ذلك أمر معروف- للتنبيه على أن النبي –صلى الله عليه وسلم- تلقى القرآن عن جبريل عن الله –سبحانه وتعالى-، وليس كما يزعُمُ المبتدِعةُ مِن أنه تلقاه عن جبريل عن اللوح المحفوظ.

مراتب التفخيم لحروف الاستعلاء

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذا موضوعٌ أحببتُ أن أتحدث فيه عن مسألةٍ دقيقةٍ مِن مسائل علم التجويد، وهي مسألةٌ كثُرَ الكلام حولَها في زماننا، وأشكلتْ على كثيرٍ مِن الطلبة، ألا وهي: (مراتب التفخيم لحروف الاستعلاء) أو(درجات التفخيم لحروف الاستعلاء).
إن تفخيمَ حروفِ الاستعلاء(1) ليس على درجةٍ واحدةٍ في القوّة؛ وإنما يختلفُ باختلاف الحركات.
وأوّل مَن تحدّث عن مراتب التفخيم لحروف الاستعلاء –فيما يذكُرُ كثيرٌ من الباحثين- هو أبو الأصبغ عبد العزيز بن علي بن الطحّان الأندلسي (ت560)، وقد لخَّصَ مذهَبَه الإمامُ ابنُ الجزري في كتابه: "التمهيد في علم التجويد"؛ فقال: "قال ابنُ الطحان الأندلسي في "تجويده": "المفخمات على ثلاثةِ أَضْرُب:
- ضَرْبٌ يتمكن التفخيم فيه، وذلك إذا كان أحدُ حروفِ الاستعلاء مفتوحًا.
- وضربٌ يكون دون ذلك، وهو أن يقع حرف منها مضمومًا.
- وضرب دون ذلك، وهو أن يكون حرفٌ منها مكسورًا". اهـ.
قلت: وهذا قولٌ حسنٌ، غيرَ أني أختارُ أن تكون على خمسة أضرب:
- ضَرْبٌ يتمكن فيه التفخيم، وهو أن يكون بعد حرف الاستعلاء ألِفٌ.
- وضربٌ دون ذلك، وهو أن يكون مفتوحًا.
- ودونَه، وهو أن يكون مضمومًا.
- ودونه، وهو أن يكون ساكنًا.
- ودونَه، وهو أن يكون مكسورًا". انتهى كلام الإمام ابن الجزري، وهو مِن كتابه: "التمهيد" (ص127)، تحقيق د. غانم قَدُّوري الحَمَد.
فابنُ الجزري جعل المفتوحَ مرتبتين، وأضاف مرتبةَ الساكنِ التي لم يتعرض للكلام عليها ابنُ الطحان.
ومذهبُ ابنِ الجزري هذا هو أحسنُ المذاهب في هذه المسألة؛ فهو مذهبٌ مُحرَّرٌ دقيقٌ، يَشهَدُ لصحتِه الواقعُ المشاهَدُ والنظرُ الصحيحُ(2)، والقائلُ به هو إمامُ الفن، والذي عُرِفَ بدقَّتِه، وإتقانِه، ورسوخِ قدَمِه في هذا الفن.
بينما مَذهبُ الذين قالوا بأن الحرفَ الساكنَ ليس له مرتبة مستقلةٌ؛ وإنما يتبَعُ الحرفَ الذي قبْلَه؛ فإن كان ما قبلَه مفتوحًا فهو في المرتبة الأولى مِن مراتب التفخيم، وإن كان ما قبلَه مضمومًا فهو في المرتبة الثانية، وإن كان ما قبله مكسورا فهو في المرتبة الثالثة – مذهبُ هؤلاءِ يعوزه التحرير والدقة، ولا يشهدُ له الواقعُ المشاهَد والنظرُ الصحيح.
وأقدَمُ مَن ذَكَرَ هذا المذهب(3) –فيما أعلم- هو محمد بن أحمد المتولي (ت1313هـ) شيخُ القراء والمقارئ المصرية في زمنه، قال:
ثُمَّ المفخّماتُ عنهم آتِـيَـــــــــــهْ *** على مراتبٍ ثلاثٍ وَهِيــــَــــهْ
مفتوحُها ، مضمومُها، مكسورُها *** وتابِعٌ ما قَبْلَهُ ســــــــــاكِنُهَا
فَمَا أتَى من قَبْلِهِ من حَرَكَــــــــهْ *** فافرِضْهُ مُشْكَلاً بتلك الحركهْ
وتبنَّى هذا المذهبَ واعتمَدَه في الإقراء، وعندَئذٍ أصبحَ يَجِدُ أن ثمة كلماتٌ تُلُقِّيَتْ بما يتعارض مع هذا التقعيد؛ فأصبح يعدِّلُ على القاعدة ويستثني منها، وبالرغم من هذا فلا يزال هذا التقعيدُ غيرَ محرَّرٍ وغيرَ دقيقٍ؛ فإن القائلين به –على سبيل المثال- لا يجعلون القافَ مِن: {بمقدار} و{اقتربت} و{شِقوتنا} {نُذِقه} والطاءَ مِن: {فمنِ اضطُرَّ} والصاد مِن: {مِصْرًا} و{إصرًا} والراءَ مِن: {ارجعوا} في درجة المكسور، ولا يجعلون القافَ من: {مقتدِر} و{سُقناه} ولا الطاءَ مِن: {تُظهِرون} في درجة المضموم، ولا يجعلون القافَ مِن: {يقتلون} في درجة المفتوح...، إلى غير ذلك مِن الأمثلة، بل إنك لو قرأتَ على أكثرِ هؤلاء بهذا لخَطَّؤوك هم أنفسُهم! فماذا يقال هنا؟
ثم كيفَ نجعل الساكن كالمفتوح أو المضموم أو المكسور وكميةُ الهواء التي تملأ الفم ليست متساوية في هذه الحالات؟!

إذا عرفنا ما سبق؛ نأتي لمسألتين دقيقتين أُخرَيَيْن:
المسألة الأولى- أن حروف التفخيم -كما هو معروف- منها ما هو مستعلٍ ومطبق في الوقت ذاته (وهي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء)، ومنها ما هو مستعل فقط (وهي: القاف، والغين، والخاء).
أما الأولى فدائمًا نفخيمُها أقوى من الثانية في جميع مراتب التفخيم، فالمفتوح من الأولى أقوى من المفتوح من الثانية... وهكذا، وذلك لأن في الأولى صفةَ قوةٍ زائدةً؛ هي الإطباق، وهي من الصفات التي ينتج عنها التفخيم، ولذا فهي تُبقِي حروفَ النوعِ الأولِ أقوى تفخيمًا من حروف النوع الثاني.
وبالنسبة لبقاء التفخيم مِن عدمِه؛ فالتفخيم لا يفارق حروفَ الاستعلاء مطلقًا، حتى في حالة الكسر يبقى، لكنه يَضْعُف، ولذا نقول: إن حرفَ الاستعلاءِ المكسورَ يكون في أدنى درجات التفخيم، ولا نقول: إنه مرقق. وفي هذا يقول المتولي:
فهي وإن تَكُنْ بأدنى منزلهْ ** فخيمةٌ -قَطْعًا- مِن المستفِلهْ
فلا يقال: إنها رقيقهْ ** كضدها. تلك هي الحقيقهْ
وبهذا البيانِ –إن شاء الله- يزول استشكالُ بعضِ الطلبةِ الذين إذا سَمِعوا صَوْتَ حروفِ الاستعلاءِ المطبَقَةِ قويًّا نسبيًّا حالةَ كسرِها ظنوا أن هذه الحروفَ يكون تفخيمُها في درجةٍ واحدة في كل حالاتِها.

المسألة الثانية- أن الغنة تتبعُ الحرفَ الذي بعدها تفخيمًا وترقيقًا.

وهذا الذي ذكرته كلُّه هو التفسير النظري، وأما التطبيق فلابد فيه من المشافهة.

وبهذا أكون قد انتهيتُ مما أردتُ بيانَه، فما كان فيما كتبتُ مِن صوابٍ فمن الله، وما كان مِن خطأ فمني ومن الشيطان وأستعفر الله من ذلك.
والله -تعالى- أعلم.


كتبهُ
علي المالكي


_______________________
(1) وتُلحَقُ بها في ذلك حروفُ الاستفال التي تفخم أحيانًا -حين تفخَّمُ-.
(2) حيثُ إن قوة التفخيم تعتمد على كمية الهواء التي تملأ الفم حال النطق بالحرف؛ فإنه كلما زادت كمية هذا الهواء زاد صدى الحرف داخل الفم. ونحن عندما ننطق بحرف مفتوح نجد أن كمية الهواء التي تملأ الفم أكبر من كمية الهواء التي تملؤه عند النطق بحرف بحرف مضموم، وعندما ننطق بحرف مضموم نجد أن كمية الهواء التي تملأ الفم أكبر من كمية الهواء التي تملؤه عند النطق بحرف ساكن، وعندما ننطق بحرف ساكن نجد أن كمية الهواء التي تملأ الفم أكبر من كمية الهواء التي تملؤه عند النطق بحرف مكسور، وكل هذا يرجع إلى كمية الفراغ المتاح في الفم ليملأه الهواء.
وهذه الصورة تبين لنا الاختلاف في كمية الهواء التي تملأُ الفم عند النطق بالحركات الثلاث:

ولم يتيسر لي الحصول على لوحةٍ تبين كمية الهواء الذي يملأ الفم عند النطق بالحرف الساكن، ولكن هو بين حالةِ المضموم والمكسور –كما ذكر الإمام ابن الجزري وجمعٌ مِن المحققين-.
وأيضًا في المفتوح الذي بعدَهُ ألِفٌ يكون التفخيم أكثر بقليل من الذي ليس بعده ألف؛ لوجود الألف بعد الأوّل، والتي تجعله يأخذ حظًا أكبر مِن كمية الهواء، وبالتالي تزداد قوة التفخيم فيه أكثر من الذي لا يتلوه ألف.
(3) وَلَمْ أقُلْ: أول مَن قال بهذا المذهب، وذلك لأني ألْمَحُ في كلام المتولي ما يشعِر بأنه سُبِقَ به؛ حيثُ إنه قال:
ثم المفخَّماتُ عنهم آتِيهْ *** على مراتبٍ ثلاثٍ وَهِيَهْ
فقوله: (عنهم) يُشعِرُ بأنه ناقلٌ لهذا المذهب عن مشايخ قَبْلَه وليس قائلاً به ابتداءً.
فإن صحَّ استنتاجي هذا فَبها، وإلا فهو أقدمُ مَن ذكر هذا –فيما أعلم-.


هل القاف والطاء مهموستان؟


الرد على الطاعنين في ثبوت أحكام التجويد

بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنّ مِما يُحزِنُ كلَّ غَيُورٍ على كتاب الله –سبحانه-: ما سمِعْنا ونَسْمَعُ مِن قولِ بعضِ الناس: إن أحكامَ التجويدِ بِدعةٌ ولَمْ تَرِد عن النبي –صلى الله عليه وسلم-!
وهذه مَقَالةٌ ظاهرةُ البُطْلان، فاسدةٌ بإجماعِ أهل العلم والإيمان، وإنّ فسادَها لَيُغني عن إفسادِها، ولكنْ عندما ينتشر الجهل تَرُوجُ أمثالُ هذه المقالات على بعض الناس ممن لا علم عندهم بحقيقة الأمر، وحينئذ لا بد مِن بيان الحق لهم، وهأنا أبيّن هذا الأمر وأجلّيه –بقدر المستطاع-؛ ذبًّا عن كتاب الله -تبارك وتعالى-، وعملًا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: {الدين النصيحة}، وتصحيحًا للمفاهيم، وحتى لا ينتشر بين المسلمين أمثالُ هذه المقالة التي هي إنكارٌ لما ثبت بالتواتر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، والذي يترتبُ عليه ما يترتب مِن الأمور الباطلة: كاتهامِ الأئمة الثقات الذين نقلوا إلينا القرآن بهذه الأحكام عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم كذبوا عليه في ذلك، واتهامِ المسلمين عمومًا -بما فيهم أهلُ العلم والفضل- الذين قرؤوا القرآن بهذه الأحكام بأنهم يبتدعون في دين الله، إلى غير ذلك مِن اللوازم الباطلة، إضافةً إلى أن هذا القول يَرُدُّه قول ربنا -تبارك وتعالى-: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.
ومقالي هذا يدور أمرين:
الأمر الأول- تفنيد الشبهة التي يدندن حولها أكثرُ هؤلاء؛ ألا وهي ما فهموه خطأً مِن قولٍ وَرَدَ عن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- في الإدغام الموجود في قراءة حمزة والكسائي –رحمهما الله-.
 الأمر الثاني- إثباتُ ثبوت الأحكام التجويدية بالتواتر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكان الأَوْلَى أن يكون الأمرُ الثاني هو الأولَ، ولكن جعلتُه الثانيَ لغرضٍ لعلّه يَظْهَرُ للبعض.
وقد عنونتُ هذا المقال بـ: "حتى لا يُساء الظنُّ بالأئمة"، وأعني بهم: أئمة القراءة من المتقدمين والمتأخرين، الذين أفنوا أعمارهم في تعلُّمِ كتاب الله -سبحانه وتعالى- وإتقانِه وضبطِه وتعليمِه، ونقلوا إلينا هذه الأحكام نظريًّا وعمليًّا بأمانةٍ وتَحَرٍّ ودقةٍ وعنايةٍ. واخترتُ للمقالِ العنوانَ المذكورَ لأن المتَّهَمَ الأولَ في هذا الأمرِ هم علماء القراءة؛ إذ إن أولئك يتهمونهم بأنهم أتوا بهذه الأحكام من عندهم! وحاشاهم من ذلك؛ فهم لم يأتوا بشيء مِن عندهم، وإنما نقلوا هذه الأحكام نقلًا محضًا، ومنَعوا القياسَ في القراءة وشددوا في ذلك، فهم على قول الإمام الشاطبي: «وما لقياسٍ في القراة مدخلٌ *** ....................»، وأنكروا على كل مَن أتى بقولٍ مبتدَعٍ في القراءةِ، والتاريخُ مِن خير الشواهد على ذلك.

وقبل أن أبتدئ بالكلام في هذا الموضوع أذكر أمورًا ثلاثةً:
الأمر الأوّل- أن مما لا يختلف فيه اثنان:
- أن الخطأ يجب ردُّه مهما كانت منزلةُ صاحبِه ومكانتُه؛ إذْ إنه لا عصمة لأحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
- وأن على المؤمن أن يتجرد للحق، وأن يبحث عنه، وأن يقدِّمَه على أقوال الرجال.
وقد كان معاذ بن جبلٍ -رضي الله عنه- يقول: "اقبَلوا الحقَّ من كلِّ مَن جاء به وإن كان كافرًا -أو قال: فاجرًا-، واحذَروا زَيغةَ الحكيمِ".
الأمر الثاني- أن هذا البحث يدور حول إثبات ثبوت هذه الأحكام والرد على من أنكرها وقال ببدعيتها؛ لا حول حُكْمِ تطبيقها في قراءة القرآن؛ فإنني لم أتعرض لهذه المسألة هنا.

وهذا أوان الشروع في المقصود -أسأل الله التوفيق والإعانة-:

المبحث الأول
دفع الطعون التي وُجِّهَت إلى قراءةِ حمزة

وهنا سأُجمِلُ الكلام ثم أفصّل.
أمَّا الإجمال فأكتفي بهذه النقول:
قال الإمام الذهبي في "ميزان الاعتدال" (1/ 605-606): "قد انعقد الإجماع بأخرة على تلقِّي قراءةِ حمزةَ بالقبول، والإنكارِ على من تكلم فيها، ...[و] يكفى حمزةَ شهادةُ مِثْلِ الإمام سفيان الثوري له؛ فإنه قال: "ما قرأ حمزةُ حرفًا إلا بأثرٍ". " اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (12/ 569): "وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ عَنْ السَّلَفِ الْمُوَافِقَةُ لِلْمُصْحَفِ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ قِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبَ وَخَلْفٍ وَبَيْنَ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ وَأَبِي عَمْرٍو وَنُعَيْمٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: إنَّ الْقِرَاءَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ [وأن] مَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ فَهُوَ بَاطِلٌ..." اهـ.
وقال (13/ 392-393): "وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَنَازَعْ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ الْمَتْبُوعِينَ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَقْرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الْمُعَيَّنَةِ فِي جَمِيعِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ شَيْخِ حَمْزَةَ أَوْ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ الْحَضْرَمِيِّ وَنَحْوِهِمَا كَمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ فَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ الْمَعْدُودِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ..." اهـ.

وأما التفصيل فسأكتفي فيه بإيراد بعض البحوث التي وقفتُ عليها حول هذا الأمر، وإِلَيْكَهَا:
البحث الأول- بحث عنوانه: "رد الكلام والشبهات عن قراءةٍ مِن المتواترات"، وهو مِن تأليف السيد بن أحمد بن عبد الرحيم (عضو لجنة مراجعة المصاحف بمجمع البحوث الإسلامية)، وقد قرأه وقرَّظه فضيلةُ الشيخ المقرئ علي بن عبد الرحمن الحذيفي -حفظه الله-، وآخرون. وهذا رابط الكتاب: http://www.4shared.c...qX/______.html?
وهذه صورة التقريظ الخطي للشيخ الحذيفي: https://archive.org/...531/التقريظ.png

البحث الثاني- بحث عنوانه: "قراءة حمزة وردّ ما اعتُرِضَ به عليها"، وهو مِن تأليف المقرئ عبد الله بن صالح العُبَيد التميمي (المقرئ بالقراءات العشر الصغرى والكبرى والشواذ)، وقد أرشدني إليه أحدُ الدكاترةِ الذين درَّسوني، وأخبرني بأنه بحثٌ جيدٌ -في الجملة-.
وهذا رابط الكتاب: http://ia600303.us.a...aat-hamzah1.pdf
 ولعل فيهما كفاية -إن شاء الله-.

 المبحث الثاني
إثبات ثبوت الأحكام التجويدية  عن النبي -صلى الله عليه وسلم-

أريد في هذا المبحث أن أثبت هذا الأمر بطريقةٍ عقليةٍ سهلةٍ، وإليك بيانُها:
الذين يقولون ببدعية هذه الأحكام وعدم ثبوتِها هل سيسلّمون بثبوتِها إذا ثبتت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن طريقٍ صحيحٍ واحدٍ فقط؟
الجواب: نعم –إذا كانوا ممن يتجرد للحق-. بل أظن أنهم لن يقتنعوا بثبوت الأحكام إلا بهذه الطريقة -أي بالطريقة التي تَثْبُتُ بها الأحاديثُ-.
إذنْ؛ فلنأتِهم بسندٍ صحيحٍ غريبٍ ينتهي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-:
قال الإمام الداني في "جامع البيان" (1/ 290): "أما روايةُ قالون... فقرأت بها القرآنَ كله على أبي الفتح فارس بن أحمد، وقال لي:
قرأت على عبد الباقي بن الحسن، وقال: قرأت على أبي إسحاق إبراهيم بن عمر المقرئ، وقال قرأت على أبي الحسين أحمد بن عثمان بن جعفر [وهو ابنُ بُويان]، وقال: قرأت على أبي حسان أحمد بن محمد بن الأشعث، وقال: قرأت على محمد بن هارون المروزي المعروف بأبي نشيط، وقال: قرأت على قالون، وقال: قرأت على نافع"، وأخذ نافعٌ القراءةَ عن سبعين من التابعين، سمَّى منهم: أبا جعفر يزيد بن القعقاع وأبا داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج وشَيْبَة بن نِصَاح القاضي وأبا عبد الله مسلم بن جندب الهُذَلي مولاهم القاصّ وأبا رَوْح يزيد بن رُومَان، وأخذ هؤلاء التابعون عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عَيَّاش ابن أبي ربيعة -رضي الله عنهم-، وهم عن أُبَيّ بن كعب -رضي الله عنه-، وهو عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
هاهو الإمامُ الداني -وهو مِن معاصري كثيرٍ مِن أصحابِ كُتُبِ الحديث المسندة؛ إذ إنه توفي سنة 444هـ- يورِدُ هذا السند الصحيح الذي أدى إليه روايةَ قالون عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
إذَا انتهينا مِن هذه الخطوة؛ ننظر؛ هل نقلَها الإمامُ الداني بهذه الأحكام أم بدونِها؟
الجواب: نقلَها بهذه الأحكام. ومَن أراد مِنهم أن يقف على الأمر بنفسه فليرجع إلى الكتب التي ألّفَها الداني في القراءات والتجويد وسيجد ذلك؛ إذ إن الإمام الداني كان مِن أبرز الأئمة الذين اعتنوا بتدوين أحكام التجويد.
إذَن؛ مما سبق نستنتج أنه قد صح سندُ الأحكامِ التجويدية مِن طريقٍ صحيحٍ غريبٍ.
فإذا ثبتَ هذا عندهم؛ أسألهم سؤالًا: هل إذا جاء أحد الأئمة المشهورين بالفقه والحديث وأنكر ثبوت هذه الإحكام التي أثبتناها الآن مِن طريقٍ صحيحٍ واحدٍ - هل ستقبلون إنكارَه؟
سيجيبون: لا؛ لأن المسلمين أجمعوا على أن من استبان له سنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يحل له أن يدعها لقول أحد.
ننتقل معهم إلى خطوة أعلى؛ لو فرضنا أن كل قراءةٍ مِن القراءات السبع ثبتت بإسناد واحد فقط إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فكم سيتحصل لدينا مِن الطرق؟
ليذهبوا إلى جامع البيان -مثلا- ويراجعوا ذلك.
ننتقل إلى خطوة أعلى؛ ماذا لو رأيتُم عدد الطرق التي ذكرَ الإمامُ الدانيُّ في كتابه: "جامع البيان" أنها أدت إليه القراءات السبع؟
ثم ماذا لو عرفتم أنه وصلته القراءة بالأحكام مِن كل هذه الطرق؟
ثم ماذا لو وقفتم على الطرق الأخرى ذكرَها غيرُ الإمام الداني؟
أترك الجواب لهم.
وأترك لهم أيضًا الجواب عن السؤال التالي:
ماذا لو أتى أحدٌ وقال بعدم ثبوت أحكام التجويد وبأنها بدعة؟
 وأظن أن ما ذكرتُه حتى الآن في هذا المبحث يُغني عن الاستمرار في البيان.
 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



كتبه

أبو عبد الرحمن علي المالكي