الاثنين، 8 فبراير 2016

منظومة أبي مزاحم الخاقاني (بصوتي)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فهذه قراءة صوتية لمنظومة أبي مزاحم الخاقاني، التي قالها في القراء وحُسن الأداء.
وهي أول مؤلَّفٍ في علم التجويد -كما هو معلوم-.
وقد قرأتُها وَفقَ ما اعتمده غازي بن بُنيدر العَمْري -محققِ شرح أبي عمرو الداني عليها-.
وإن شاء الله سأعيد تسجيلها مرة أخرى عندما أنتهي من مقابلة هذا التحقيق على التحقيقات الأخرى.

الإسناد الذي أدى إلي هذه المنظومة إلى ناظمها -رحمه الله-:
أنبأني الشيخ إبراهيم بن محمد كُشَيْدان، أنبأني الشيخ محمد بن عمر بازمول، عن عبد الله بن أحمد الناخبي، عن عمر بن حَمْدان المَحْرَسي، عن فالح بن محمد الظاهري، عن مُحَمَّد بن علي السَّنوسي، عن عمر بن عبد الكريم العطّار، عن أبي الفيض مرتضى الزبيدي، عن محمد بن علاء الدين البابلي، عن الشمس محمد بن أحمد الرَّمْلي، عن الزين زكريا الأنصاري، عن العز بن الفُرَات، عن أبي حفص عمر بن الحسن المَراغي، عن الفخر ابن البخاري، عن أبي بكر مُحَمَّد بن الحسن، أخبرنا والدي أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني؛ أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الرَّزَّاز؛ أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن مُحَمَّد بن بِشْرَانَ المعدِّل؛ أنشدنا أبو بكر مُحَمَّد بن الحسين الآجُرِّي؛ قال أبو مزاحم الخاقاني.

رابط التسجيل

الأربعاء، 3 فبراير 2016

الأدلة القوية على أن الصواب في الإخفاء الشفوي هو الإطباق

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنه لا يخفى على الكثير منّا ما وقع في زماننا مِن الخلاف في كيفية إخفاء الميم الساكنة عند الباء (وهو ما يسمى بالإخفاء الشفوي)، وما حصل حولَ هذا الأمر مِن المناقشات والجدال والمناظرات، وما كُتبَ فيه مِن الرسائل والمقالات.
وقد بحثتُ في هذه المسألة كثيرًا، وخرجتُ مِن بحثي بنتيجةٍ هي أنّ أداءَ الإخفاءِ الشفوي يكون بانطباق الشفتين دون إبقاء فرجةٍ بينهما.
وقد أحببتُ أن أنقُلَ لكم هذا البحثَ المتواضعَ مختصَرًا؛ لعل غيري يستفيدُ منه ويجد فيه بغيتَه كما استفدتُ أنا منه ووجدتُ بغيتي.
فأقول -طالبا من الله التوفيق والسداد-:
اختلف أهلُ الأداء في الميم الساكنةِ إذا أتى بعدَها باءٌ - على مذهبَين:
المذهب الأول- الإظهار، وهو مذهبُ عدد منهم، قال أبو الحسين بن المنادي -فيما نقله عنه الداني في «التحديد» (ص16)-: «أخذْنا عن أهل الأداء خاصةً تِبْيانَ الميمِ الساكنة عند الواو والباء والفاء في حُسْنٍ مِن غيرِ إفحاشٍ».
وقال مكيّ بن أبي طالبٍ في «الرعاية» (ص206-207): «وإذا سكَنَت وجَب أن يتحفظ بإظهارها ساكنةً عند لقائها باءً أو فاءً أو واوًا. لا بد من بيان الميم الساكنة ساكنةً مِن غير أن يَحدُث فيها شيءٌ مِن حركةٍ، وإنما ذلك خوفَ الإخفاء والإدغام؛ لِقُربِ مخرجِ الميم مِن مخرجهن؛ لأنهن كلَّهن يخرجن مما بين الشفتين، غيرَ أن الفاء تخرج من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى، ولولا اختلافُ صفاتِ الباء والميم والواو -على ما قدمنا من الشرح- لَمْ يختلف السمعُ بهنّ، ولَكُنَّ في السمعِ صِنفًا واحدًا». اهـ بتصرفٍ يسير. 
وقد وقفتُ على كلامٍ لبعضِ مشايخِ القراءة المعاصرين مفادُه أن هذا المذهبَ لا تصح القراءةُ به الآن؛ لأن أسانيدَه انقطَعَت، ولا يوجد له إسناد متصل.
المذهب الثاني- الإخفاء، قال أبو بكرٍ أحمدُ ابنُ إمامِ الفنِّ ابنِ الجزري في «الحواشي المفهِمة» (ص103): «وهو المختار عند الجمهور، وعليه العمل». 
قال الداني في «التحديد» (ص16): «فإن التقت الميم بالباء -نحو: {آمنتم به} وما أشبهه- فعلماؤنا مختلفون في العبارة عنها معها؛ فقال بعضهم: هي مخفاةٌ؛ لانطباق الشفتين عليهما كانطباقهما على إحداهما. وهذا مذهب ابن مجاهد في ما حدثنا به الحسين بن علي عن أحمد بن نصر عنه [أنه] قال: «والميم لا تُدغَم في الباء، لكنها تخفى؛ لأنّ لها صوتًا في الخياشيم تُوَاخي به النونَ الخفيفةَ». ». اهـ.
قال ابنُ الجزري في «النشر» (1/ 222) -عند كلامه عن أحكام الميم الساكنة-: «الثَّانِي- الْإِخْفَاءُ عِنْدَ الْبَاءِ -عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ-، وَذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْر بْنِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ، وَذَلِكَ نَحْوَ: {يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ}...، فَتَظَهَرُ الْغُنَّةُ فِيهَا إِذْ ذَاكَ إِظْهَارَهَا بَعْدَ الْقَلْبِ فِي نَحْوِ: {مِنْ بَعْدِ}. 
وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ -كَأَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُنَادِي وَغَيْرِهِ- إِلَى إِظْهَارِهَا عِنْدَهَا إِظْهَارًا تَامًّا، وهو اخْتِيَارُ مَكِّيٍّ الْقَيْسِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ بِالْعِرَاقِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ، وَحَكَى أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ التَّائِبُ إِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ مَأْخُوذٌ بِهِمَا، إِلَّا أَنَّ الْإِخْفَاءَ أَوْلَى؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِخْفَائِهَا عِنْدَ الْقَلْبِ، وَعَلَى إِخْفَائِهَا فِي مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو حَالَةَ الْإِدْغَامِ فِي نَحْو: {بِأعلم بالشاكرين}». اهـ.
ويقول في «المقدمة الجزرية»:
.......................... *** ...................... وأخفِيَنْ
الميمَ -إن تسكُن- بِغُنَّةٍ لدى *** باءٍ -على المختارِ مِن أهلِ الأَدَا-
يقول عالِمُ الأصواتِ الدكتورُ غانم قَدُّوري الحمَد في كتابه: «أبحاث في علم التجويد» (ص142): «والمأخوذ به في زماننا عند أهل الأداء هو الإخفاء، وهو المنصوص عليه في الكتب المؤلفة في علم التجويد في عصرنا، ويسميه بعضُهم: (الإخفاء الشفوي) -تمييزا له عن أخفاء النون-، ولكنهم مختلفون في النطق به؛ فمنهم من يطبق شفتيه عند النطق بالصوتين، ومنهم من يجافي بينهما»، ثم قال: «المتأمِّل لنُطقِ الْمُجِيدين مِن قراء القرآن في زماننا يجد أنهم ينقسمون على قسمين في كيفية النطق بالميم المخفاة قبل الباء:
- فمنهم من يجافي بين شفتيه قليلا عند النطق بالميم ثم يطبق شفتيه إذا انتقل إلى نُطْقِ الباء بعدَها، وهو المشهور في الديار المصرية ومَن أخذ عن قُرّائها.
- ومنهم من لا يجافي بين شفتيه عند النطق بالميم، ويطبق شفتيه للميم والباء، وهو المشهور في الديار العراقية [والشامية].
وقد تحققتُ من ذلك بالأخذ عن الشيوخ والسؤال عنه؛ فقد كنت أتردد على الشيخ عامر السيد عثمان وقت إقامتي بالقاهرة لدراسة الماجستير، فكان لا يَقْبلُ ممن يقرأ عليه أن يُطبق شفتيه عند نطق اليم الساكنة قبل الباء، ويأبى إلا انفراجَهما.
وقد صرت أسأل قراء العراق الذين ألتقي بهم عن ذلك، فكانوا يَقْرَؤون بإطباق الشفتين للصوتين معا، ولا يأخذون بانفراجهما مع الميم.
ولم أجد في كتب التجويد القديمة مَن أشار إلى انفراج الشفتين عند النطق بإخفاء الميم الساكنة عند الباء، بل وجدتُ المؤلفين ينُصّون على انطباق الشفتين للصوتين معا، فيقول الداني: «هي مخفاة؛ لانطباق الشفتين عليهما كانطباقهما على إحداهما»، وقال والدُ ابنِ الباذِش: «إلّا أن يريد القائلون بالإخفاء انطباق الشفتين على الحرفين انطباقا واحدا، فذلك ممكن في الباء وَحْدَهَا [-يعني: دون الفاء والواو-]، نحو: أكرِم بزيدٍ».
[وقال ابنٌ الجزري في «النشر» (1/ 297): «...ثُمَّ إِنَّ الْآخِذِينَ بِالْإِشَارَةِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْمِيمِ عِنْدَ مِثْلِهَا وَعِنْدَ الْبَاءِ، وَعَلَى اسْتِثْنَاءِ الباء عند مِثْلِهَا وَعِنْدَ الْمِيمِ. قَالُوا: لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَتَعَذَّرُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ انْطِبَاقِ الشَّفَتَيْنِ.
قُلْتُ: وَهَذَا إِنَّمَا يَتَّجِهُ إِذَا قِيلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِشَارَةِ الْإِشْمَامُ، إِذْ تَعْسُرُ الْإِشَارَةُ بِالشَّفَةِ وَالْبَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ حُرُوفِ الشَّفَةِ، وَالْإِشَارَةُ غَيْرُ النُّطْقِ بِالْحَرْفِ، فَيَتَعَذَّرُ فِعْلُهُمَا مَعًا فِي الْإِدْغَامِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَصْلٌ، وَلَا يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْإِشْمَامَ فِيهِ ضَمُّ الشَّفَتَيْنِ بَعْدَ سُكُونِ الْحَرْفِ، وَلَا يَقَعَانِ مَعًا» اهـ.
وقال طاهر بن غلبون في كتابه: «التذكرة في القراءات الثمان» (ص91): «واعلم أن اليزيدي وعبد الوارث وشجاعا رَوَوْا عن أبي عمرٍو البصري أنه لم يكن يُشِمُّ في الميم والباء -مثل: {والله أعلم بما}-، وروى عباسٌ عن أبي عمرٍو أنه كان يشم الباء والميم ويشم في سائر الحروف. وبما روى اليزيدي آخُذُ؛ لصحته؛ وذلك أنه إنما يعني بالإشمام هاهنا أنه يشير إلى حركة الرفع والخفض في حال الإدغام؛ ليدل على أن هذا الحرف المدغَم يستحق حركةَ هذه الحركةِ في حال الإظهار؛ حرصا على البيان، وذلك متعذر في الميم مع الميم، وفي الباء مع الباء؛ من أجل انطباق الشفتين فيهما، وأما الميم مع الباء فهي مخفاة لا مُدَّغَمَة، والشفتان أيضا ينطبقان معهما» اهـ.
وقال عبد الوهاب القرطبي في «الموضح» (ص97): «وأمّا حروف الغنّة فالنون -ساكنةً ومتحرّكةً- والميمُ، إلاّ أنّ الميم أقوى من النون؛ لأنّ لفظها لا يزول، ولفظ النون قد يزول فلا يبقى منها إلاّ الغنّة ...» اهـ بواسطة نقل محمد يحيى شريف الجزائري. ثم قال شريف -معلقا-: «فقوله -رحمه الله- أنّ الميم لا تزول؛ يعني أنّ الشفتين تنطبقان في الميم في جميع الأحوال حتّى في الإخفاء، لذلك لم تزُلْ، بخلاف النون المخفاة؛ فإنّها تزول عند الإخفاء؛ لانفصال طرف اللسان عن الحنك، فلا بيقى من صوتها إلا الغنّة. ولو تركنا الفرجة في إخفاء الميم لزالت كما في النون. فإخبار صاحب «الموضح» أنّ الميم لا تزول دلّ على أنّ الشفتين تنطبقان في الميم في جميع الحالات» اهـ. قلت: وهو استنتاج جيد.].
ووجدتُ المصادر المتأخرة تشير إلى عدم المبالغة في إطباق الشفتين مع الميم قبل الباء.
وقد أثبتَ بعض المؤلفين المعاصرين القولَ بانفراج الشفتين عند النطق بالميم المخفاة، وهذه قضية تستدعي النظر والتأمل، ومن المحتمل أنها تطورت عن تأكيد العلماء المتأخرين على تقليل انطباق الشفتين عند النطق بالميم المخفاة، فبالغ بعضهم في تقليل الانطباق حتى أدى ذلك إلى انفراجهما، وهذا أمرٌ لا نملك القطعَ به؛ لأن كِلا الفريقين يحتج بالرواية عن الشيوخ والمشافهة عنهم. والله أعلم.
ولكني أرجّح الرواية التي تتطابق مع وصف علماء التجويد المتقدمين لنطق الميم المخفاة، وهي التي تؤكد على انطباق الشفتين عند النطق بالميم؛ لأن القول بانفراجهما لم تشر إليه المصادر القديمة، ولأنه لا يتوافق مع نظرية: (السهولة في نطق الأصوات) التي تتحقق عند النطق بانطباق الشفتين أكثر مما تتحقق عند النطق بانفراجهما». انتهى كلام الدكتور الحمد باختصار وزيادات.
ثم نشَر الدكتور الحمَد بحثا في مجلة: «الفرقان» التي تصدرها جمعية المحافظة على القرآن الكريم بعمان (العدد 40) عَزَّزَ فيه هذه النتيجة التي رجَّحَها، حيث قال:
«...وكنت قد درست هذا الموضوع، وجمعت أقاويل العلماء فيه في وقت سابق. والذي جعلني أعود إليه هو أني وقفت على أدلة جديدة تعزّز ما رجحتُه من قَبْلُ في كيفية نطق الميم المخفاة عند الباء. ويمكن أن أعرض تلك الأدلة من خلال تقسيمها إلى دليل نقلي وآخر عقلي:
أولا - الدليل النقلي:
وقفت مؤخراً على نص يؤكد بشكل واضحٍ انطباقَ الشفتين في إخفاء الميم عند الباء؛ فقد قال عبد الواحد بن محمد بن علي بن أبي السداد أبو محمد المالقي (ت 705هـ) في [شرحه على «التيسير» للداني] المسمى: «الدر النثير والعذب النمير» (ص44) -وهو يتحدث عن قلب النون الساكنة والتنوين ميماً قبل الباء-: «لا خلاف في لزوم القلب في جميع هذه الأمثلة وما أشبهها، وحقيقة القلب هنا أن تَلْفِظَ بميم ساكنة بدلاً من النون الساكنة، ويُتَحَفَّظُ من سريان التحريك السريع، ومعيار ذلك: أن تنظر كيف تلفظ بالميم في قولك: الخَمْر، و: الشَّمْس، فتجد الشفتين تنطبقان حال النطق بالميم ولا تنفتحان إلا بالحرف الذي بعدها، وكذا ينبغي أن يكون العمل في الباء، فإن شرعتَ في فتح الشفتين قبل تمام لفظ الميم سَرَى التحريكُ إلى الميم -وهو من اللحن الخفي الذي ينبغي التَّحَرُّزُ منه-، ثم تلفظ بالباء متصلة بالميم، ومعها تنفتح الشفتان بالحركة، وَلْيُحْرَزْ عليها ما تستحقه من الشدة والقلقلة».
وهذا النص وإن كان يختص بنطق الميم المنقلبة عن النون الواقعة قبل الباء في مثل: {أن بُورِكَ} - فإنه ينطبق على نطق الميم الساكنة قبل الباء في مثل: {وما لَهُمْ بِه}. يؤكد ذلك قولُ عبد الوهاب القرطبي (ت 461هـ) في «الموضح» (ص175):» فلا يوجد في اللفظ فرق بين قوله: {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} وبين قوله: {أَنْبِئُونِي}، سواء كان ما قبل الباء نوناً أو ميماً، لا فرق بينهما، كلُّه في اللفظ سواء».
كما يدل عليه عدمُ تفريق أهل الأداء في زماننا بين الحالتين.
والمالقي -صاحب القول السابق- قال عنه ابن الجزري في «غاية النهاية» (1/ 477) : «أستاذ كبير، شرحَ كتاب التيسير شرحًا حسنًا، أفاد فيه وأجاد». وقال في [المصدر نفسِه] (1/ 242) : «قرأ على عدد من شيوخ الإقراء في زمانه، منهم الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص المعروف بابن الناظر، الأستاذ المجوِّد ...، تصدر للإقراء بمالقة، وألَّف كتاباً كبيرًا حسنًا في التجويد، سمَّاه: «الترشيد». قال أبو حيَّان: رحلت إليه قصداً من غرناطة لأجل الإتقان والتجويد».
والتعريف بالمالقي وكتابِه يحتمل تفصيلاً أكثر من هذا، لكن خشية الإطالة تمنع من ذلك الآن، ولعل القارئ يدرك مما ذكرته عنه منزلةَ الرجل، وعلوَّ قدره في علم التجويد، وقيمةَ رأيه العلمي في الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه. وأحسب أن قوله السابق مستغن عن التعليق؛ لوضوح دلالته على وجوب انطباق الشفتين عند نطق الميم الساكنة قبل الباء، بل هو يجعل انفتاحَهما من اللحن الخفي! 
ثانيا - الدليل العقلي: 
إن مذهب من يفتح شفتيه في نطق الميم الساكنة قبل الباء يثير إشكالاً صوتيّاً؛ لأن التأثر بين الأصوات المتجاورة يخضع لضوابط أو قوانين محددة، ونُطْقُ كلا الصوتين -الميم والباء- يقتضي انطباق الشفتين، والفرق بينهما أن النَّفَسَ يجري مع الميم من الأنف، ويخرج مع الباء من الشفتين، وانفراجُ الشفتين أو انفتاحهما قليلًا في مذهب بعض القراء يأتي بعنصرٍ صوتيٍّ جديد لا وجود له في العملية النطقية، كما أنه قد يزيد العملية النطقية صعوبة، ومن ثَمَّ فإن ذلك يرجح مذهب من يطبق شفتيه، على نحو ما يتضح من البيان الآتي: 
أ- انفتاح الشفتين يضيف عنصرًا صوتيًّا جديدًا: 
يخضع التغير الذي يلحق الأصوات اللغوية بسبب المجاورة في التركيب - إلى ضوابط مطّردة، أو قوانين صوتية ثابتة، ومن تلك القوانين: أن التأثر بين صوتين متجاورين لا يأتي بعناصر صوتية جديدة ليست في أحد ذَيْنِكَ الصوتين، فأيّ تغيير صوتي يلحق أحد الصوتين إنما يستمده من مكونات الصوت المجاور له، فتجاوُرُ صوتين أحدُهما مجهور والآخرُ مهموس قد يؤدي إلى تأثرِ أحدِهما بالآخر في إحدى هاتين الصفتين، وكذلك تجاور صوتين في أحدهما صفةُ الإطباقِ قد يؤدي إلى تأثرِ الصوت الآخرِ بها، ويمكن ملاحظة ذلك في مثل قول الله -تعالى-: {قَدْ تَبَيَّنَ}، و{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ}. وصفةُ انفراجِ الشفتين أو انفتاحِهما -التي تظهر في مذهب بعض أهل الأداء عند إخفاء الميم الساكنة عند الباء- ليست من مكونات أيٍّ من الصوتين، ومن ثَمَّ فإن ذلك جاء خارجًا عن القوانين الصوتية التي تخضع لها ظاهرة التأثر بين الأصوات المتجاورة في السلسلة الكلامية.
ب- انفتاح الشفتين يزيد النطق صعوبة: 
إن تأثر الأصوات بعضها ببعض حين تتجاور في الكلام يهدف إلى تحقيق أمرين:
الأول- السهولة في النطق عن طريق التقريب بين صفات الأصوات المتجاورة. 
والآخر- الاقتصاد في المجهود عن طريق اختصار حركات أعضاء النطق.
وإذا حلَّلنا ظاهرة التقاء الميم الساكنة بالباء في ضوء هذين الأمرين سنجد أن انفتاح الشفتين بالميم يؤدي إلى زيادةٍ في عمل أعضاء النطق، ويأتي بعنصرٍ صوتيٍّ جديدٍ يتنافى مع مقصد التقريب بين الأصوات واختصار عملية النطق. 
أما انطباق الشفتين في نطق الميم الساكنة والباء فإنه أقرب إلى تحقيق مقصد السهولة في النطق والاقتصاد في المجهود، فتندمج عملية انطباق الشفتين لنطق الميم بعملية انطباقهما لنطق الباء، سوى أن الناطق يرخي أقصى الحَنَكِ الليِّنِ عند نطق الميم ليجري الصوت في الخياشيم ثم يطبقه عند نطق الباء ليتحقق النطق بالباء شديدة، ويخرجُ الصوت من بين الشفتين بعد انفتاحهما.
وما ذكرته من الدليل النقلي مع الدليل العقلي يرجح رواية من يطبق شفتيه عند نطق الميم المخفاة قبل الباء، لكن ذلك الانطباق أخف من انطباقهما في الباء؛ لأن انطباقهما في الميم القصدُ منه وَضْعُ عائقٍ في طريق النَّفَس لمنع خروجه من الفم، وتحويله إلى الخياشيم، وذلك يتحقق بأدنى انطباق، أما انطباقهما في نطق الباء فإن القصد منه تحقيق صفة الشدة، وهي لا تتحقق إلا بتقوية الانطباق، وصرَّح المرعشيُّ في «جهد المقل» (ص202) بذلك في قوله: «وبالجملة إن الميم والباء يخرجان بانطباق الشفتين، والباء أَدْخَلُ وأقوى انطباقًا، فتَلْفِظُ بالميم في: {أنْ بُورِكَ} بغنة ظاهرة وبتقليلِ انطباقِ الشفتين جدًّا، ثم تلفِظُ بالباء قبل فتح الشفتين بتقوية انطباقهما، وتجعل المنطبق من الشفتين أدخل من المنطبق في الميم» اهـ. كلام الدكتور الحمد -بتصرف-؛ بواسطة نقل الدكتور إبراهيم الجوريشي.
ويَذْكُر الدكتور أيمن سويد: «إن أحكام التجويد كلها موجودة في كلام العرب، ولم يتميز النص القرآني عن الكلام العربي الفصيح إلا في أربعة أمور:
- التغني به.
- تطويل الغنن.
- تطويل المدود.
- السكت.
والعرب كانت تُخفي الميم الساكنة عند الباء، فكان العربي عندما يقول: «أكرِم به» ينطقها بإطباقٍ على ميم ثم فَتْحٍ على باء، ولم يَرِد عن أحد من العرب أنه كان يجعل فرجةً عند هذا الإخفاء.
أيضا؛ الإنسان بفطرته -عربيا كان أو أعجميا- يميل إلى السهولة في النطق، فكيف يَتْرُكُ الإطباق الذي هو أسهل ويذهب إلى النطق بالفرجة الذي هو أصعب وفيه من التكلف والمشقة ما فيه؟! فإذَن هذه الفرجة خلاف الفطرة.
أضف إلى ذلك أنه لا يوجد نَصٌّ البتّة عن أحدٍ من أهل الأداء المتقدمين صَرَّح بهذه الفرجة، وأنا أتحدى مَن يقولون بالفرجة أن يأتوني بنصٍّ واحد صريحٍ في ذلك» اهـ بمعناه ملخَّصًا مِن مجموعة مقاطع صوتية.
أمرٌ آخر؛ القائلون بالفرجة تجدهم مختلفين في مقدارها؛ 
- فبعضهم يحددها بأن يبقى بين الشفتين مقدار سُمْكِ الورقة.
- وبعضهم أكثر من هذا بقليل.
- وبعضهم يجعل الفرجة من الوسط فقط دون الجانبين.
- وبعضُهم يجعلُها بين الشفتين من الزاوية إلى الزاوية.
فهم لم يتفقوا على مقدارها، وهذا يجعلُنا نضع علامةَ استفهامٍ على هذا القول نحتاجُ مِنهم مَن يُجيبُنا عنها.
وقد ناقشَ مجلسُ شيوخِ قُرّاءِ الشام –برئاسة الشيخ محمد كُرَيّم راجح- القولَ بالفُرْجَةِ في إحدى جلساتِه، وقرَّروا –بالإجماع- أن إخفاء الميم الساكنة عند الباء يكون بانطباق الشفتين من غير إبقاءٍ لفُرجَةٍ بينهما، وذكروا أنه هذا هو الذي قرؤوا به على شيوخهم. هذا ما أذكُرُه بخصوص هذا الاجتماع، ومع الأسف! الكتابُ الذي ذَكَر ما حصل في هذه الجلسة ليس بحوزتي الآن، واسمُه: «علم التجويد.. أحكام نظرية، وملاحظات تطبيقية (المستوى الثاني)» للدكتور يحيى الغوثاني، وليتَ مَن كان عنده هذا الكتاب ينقلُ لنا نَصَّ ما جاء فيه.
وقد سألتُ عن هذه المسألةِ شيخي إبراهيم بن محمد كشيدان -وهو كان قد قرأ القراءات العشر على عددٍ من قُرَّاء سوريا ومِن بينِهِم الشيخ بكري الطرابيشي-؛ فقال لي: «كلّ مشايخي أقرؤوني بالإطباق، وقرؤوا على شيوخهم بالإطباق، وشيوخُهم قرؤوا على شيخ القراء محمد سليم الحلواني بالإطباق» اهـ.
ويقول الدكتور وليد المنيسي: «لقد منّ الله علي بقراءة القرآن الكريم بالقراءات العشر الصغرى والكبرى والأربع الشواذ على جماعة من الأعلام، وكلُّ مَن أقرأني قد قرأ على جماعة من الأعلام، وكلهم نقلوا لي عن مشايخهم أنهم كانوا يقرؤون في الإقلاب وفي الإخفاء الشفوي بانطباق الشفتين. 
وقد سألت عن هذه المسألة شيخي الشيخ محمد عبد الحميد عبد الله الإسكندري -وهو مساوٍ للشيخ الزيات في سنده في القراءات العشر الكبرى، وقد قرأ على العلامة عبد الرحمن الخليجي صاحب المصنفات الشهيرة -رحمه الله- قبل أكثر من خمسين سنة-، فأخبرني أن شيخه الخليجي كان يقرئ بانطباق الشفتين، وأنه لم يسمع بالانفتاح إلا مؤخرًا. 
وكذا حدثني شيخي الشيخ إيهاب فكري حيدر عن مشايخه -كالزيات، ومحمد عيد عابدين، وأحمد مصطفى- أنهم يقرؤون بالانطباق.
وكذا حدثني شيخي الشيخ عباس بن مصطفى أنور المصري -وهو من أكثر القراء رحلة في طلب الأسانيد العالية في القرآن، وقد قرأ على جماعة، منهم: الزيات، ومحمد عبد الحميد، والطرابيشي، وغيرهم-، وكان من أشد الناس استنكارا للانفتاح المُحْدَث، ولا يُقرئ إلا بالانطباق.
ثم إن الشيخ عامرا -رحمه الله- تبنى مذهبا شاذا في مخرج الضاد، أولُ من قال به في قراءة القرآن ابنُ غانم المقدسي، وقام عليه قُرَّاءُ عصره، واستَكتَبوا مشايخه؛ فكتبوا أنهم بريئون من ذلك ولم يقرئوه به، ثم بعده بِقُرُونٍ قال به المرعشيُّ، وعَقَدَ له مشايخُ القراء في عصره مجلسا لاستتابته -في قصة مشهورة-، ثم أحياه الشيخ عامر، مع اتفاق كل من قرأ على مشايخ الشيخ عامر بأنهم لم يتلقوا ذلك عن مشايخهم، وهذا يؤكد أن الشيخ عامرا ربما اجتهد في مسائل وقرأ بأشياء لم يقرئه بها مشايخُه، وأنا لا أنتقص من جلالة الشيخ عامر -رحمه الله- ولكن الحق أحق أن يتبع» اهـ كلام الدكتور المنيسي. 
وقد سألَ بعضُ قُرّاء الإسكندريةِ شيخةَ شيوخي أمَّ السّعْد الإسكندرانيةَ عن كيفية أداءِ الإخفاء الشفوي، فذكَرَت –مما ذَكَرَت- أنهم قبل أن يقول بها الشيخ عامر السيد عثمان لم يكونوا يعرفونها، وإنما كانوا يقرؤون بالإطباق، وأنها قرأت على شيختها نَفِيسةَ بالإطباق. وكلامُها مسجَّل بالصوت والصورة ومتوفر على الشبكة.
وقد تركتُ عددا من النقول عن المشايخ المعاصرين المصريين في إثبات الإطباق؛ خشية الإطالة.
واعلم أن الشيخ عامرًا قد قالها بالقياس على النون، ووَجَدَ بعضَ النصوصِ المحتمِلة فعَضَد بِها قياسَه!
وكثيرٌ ممن يتبنّى قولَه يحتجون بالقياس؛ يقولون: إن الإخفاء لا بد أن يزول فيه الجزء الفموي.
ونحن نقول لهم: لماذا تقيسون على إخفاء النون عند الطاء والدال والتاء والجيم وغيرها وتَغْفلون أو تتغافلون عما نتفق عليه مع أكثرِكم مِن أننا عندما نخفي النون عند القاف والكاف نلصق أقصى اللسان بسقف الحلق إلصاقا كاملا فلا ينفذ منه صوت؟! 
لماذا لم تقولوا في هذا أيضا: (إنه إظهار بغنَّة ولا بد لنا أن نجافي بين أقصى اللسان والحنك حتى نحقق الإخفاء)؟! ولِمَ أعْملتُم القياس في مقابل النقل؟!
لو أنكم تأملتم إخفاء النون عند القاف والكاف وقارنتموه بالإخفاء الشفوي لظهر لكم أن كلتا الحالتين مشتركتان في أنهما تصحبهما غنة، وأنهما يُغلق عندهما الجزء الفموي تماما عند مخرج الحرف التالي. 
فالإخفاء الشفوي هو من هذا القبيل؛ أي إن إغلاق الشفتين فيه إنما هو من أجل الباء لا من أجل الميم. كل ما في الأمر أن القاف والكاف من غير مخرج النون بينما الباء تخرج من مخرج الميم نفسِه، فلهذا السبب وقع الإشكال.  
وإنّ وجود الغنة عند الإخفاء الشفوي تجعل الإخفاء الشفوي يفارق الإظهار؛ لأن الإظهار لا غنة معه –كما هو معروف-، فهذه علةٌ مانعةٌ من الحكم عليه بأنه إظهار –إن سلّمنا بأن الإظهار يؤدَّى هكذا-، فحينئذ لا حاجة إلى تكلُّف أمرٍ زائدٍ بحجةِ أنه أُتيَ به للتفريق بين الإظهار والإخفاء.
ثم إننا لا نعلم بالتلقي كيفيةَ إظهار الميم عند الباء أصلا؛ لأنه لا سندَ لهَا متصلٌ في وقتنا –وربما قبل وقتنا-، فكيف إذن نحكم على ما لم نتصوره تصورا تاما واضحا؟! 
والقاعدة المعروفة عند العقلاء: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره.
فأثبِتوا العرش ثم انقُشوا!
يا ليتنا نلتزم بالتلقي ولا نُعمِل العقول فيما لا مجال لتدخُّلها فيه!
ثم ليَعلمِ القارئُ أن الكزَّ الذي حذَّرَ مِنهُ بعض الأئمة ليس هو الإطباق -كما يدّعيه البعض رادًّا علينا به في هذه المسألة-؛ وإنما المراد بالكَزِّ في كلامهم: الضغطُ الزائدُ المبالَغُ فيه على الشفتين عند الإخفاء، فهو -إذَن- مبالَغَةٌ في الإطباق، وليس هو الإطباق الذي نعنيه بكلامنا السابق، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في كلام الدكتور الحمد.
فالحاصل أن القول بالإطباق هو الصواب، وأقوال الأئمة التي نقلتُها في الأعلى واضحة وضوح الشمس في إثبات الإطباق، وكذلك عدمُ تنبيهِ الكثير مِن الأئمة -مِن غيرِ الذين نقلتُ عنهم- على إبقاء هذه الفرجة -مع وجود الحاجة إلى البيان، وعدم المانع- يزيد هذا الاستنتاجَ قوةً.
فهذا الحق ما به خفاء *** فدعني عن بنيات الطريق.
هذا ما ظهر لي من خلال البحث في هذه المسألة، فإن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان وأستغفر الله من ذلك.
والله -تعالى- أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه
علي المالكي

الاثنين، 25 يناير 2016

حالنا غريب!
أصبحنا نشتغل بتوافه الأمور، حتى ألْهَتْنا عن مهمات الأمور!
مثلا لو نظرنا إلى حالنا مع مواقع التواصل؛ نجد مِنَّا مَن يشتغل بنقل كل أحداثه اليومية، يصوّر كلَّ شيء يحدث معه، ثم يضعه على صفحته، حتى يصبح الأمر وكأن الناس تعيش معه داخل بيته!
إلى درجة أن بعضهم لو وقع مغشيًّا عليه أو أصيب بمصيبة كان أول ما يفكر فيه هو نشرُ ذلك على مواقع التواصل!
ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يتصفح أحداثَ أصدقائِه اليومية، ويتناولها بالإعجاب والتعليق والمشاركة!
ليس هذا فقط، بل يجتمع مع اصدقائه في آخر اليوم أو يكلمهم بالهاتف ويتحدثون عمّا فعلوا على مواقع التواصل -مع أنهم كأنهم مجتمعين على مواقع التواصل قبل هذا اللقاء!
ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يشتغلون بالمنشورات السياسية والصحفية والرياضية والعجائب والغرائب... بل وبالحديث المحرّم من الغيبة والنميمة والاستهزاء ومراسلة الفتيات و و و !
فإذا انتهوا من ذلك غيّروا وجهتهم إلى لعب الكرة أو الورق (الكارطة)، أو الخروج إلى النُّزَه، أو مشاهدة المباريات، أو أو أو
قل لي -بالله عليك- إذا كانت هذه حالنا؛ فمتى سنقوم بما فرضه الله علينا ونتعلم ديننا؟! وكيف سنجد الوقت لإصلاح أنفسنا وأهلينا ومجتمعاتنا والنهوض بها؟! وكيف وكيف وكيف؟!
حتى كتاب ربنا بدل أن نقرأ ما تيسر منه مرة في اليوم أصبحنا لا نقرأ فيه إلا مرة كل شهر أو كل سنة! على الرغم من أننا نقرأ في مواقع التواصل ما لا يقل عن مرة في اليوم!
وإذا حان وقت الصلاة نقوم إليها كسالى، ولا نؤديها كما أمرنا الله، وقلوبنا ونحن نؤديها غافلة عن ذكر الله!
بل حتى كثير ممن ينتسب إلى طلب العلم شَغَلَته هذه المواقع عن طلب العلم! وحوّلته إلى عامّيّ جاهلٍ أو مجرّد قارئ عاديّ؛ لأنه أصبح لا يتعلم العلم على الطريقة الجادة، وإنما أصبح أداة نشرٍ للعلم فقط، يبحث في مواقع التواصل وينشر ما يجده دون أن يقرأه ولا أن يستفيد به -على الأقل-، فأصبح حالُه كحال الشمعة؛ تضيء للناس وتَحرق نفسها!
بل أحيانا يكون النقل خاطئا ولا ينتبه له أمثال هذا الشخص؛ فيضر به الناس بدل أن ينفعهم!
ولو انقطع عن أحدهم الإنترنت لم يفتح كتابا ولم يستمع إلى درس!
بل حتى إن فعل فسيكون هَمّه نقل الفوائد منها لكي ينشرها، ولا يركز على تفهم ما يقرأ ويسمع! فضلا عن أن يذاكره ويراجعه!
على ماذا يدل هذا؟!!
أرجو ان يقف كل واحد منا وقفة جادة مع نفسه، فالعمر واحد، وما مضى منه لا يعود، والسعيد من استثمر حياته وأوقاته في رضا الله. فلنتدارك أنفسنا، ونستثمر ما بقي من أعمارنا، قبل أن يفجأنا الموت فلا ينفع حينئذ الندم!
وأعداء الإسلام فرحون بهذه الحال التي وصلنا إليها، فهم قد نجحوا بذلك في إبعادنا وصرفنا عن تحصيل أسباب العزة والتمكين، وأفسدوا على كثير منا دينه ودنياه!
نسأل الله الكريم أن يصلح أحوالنا، وأن يهيئ لنا من امرنا رشدا، وأن يبارك لنا في الأوقات والجهود؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الخميس، 21 يناير 2016

المقدمة الجزرية بتحقيقي، ط3

المقدمة
فيما يجب على قارئ القرآن أن يعلمه
المعروفة بـ«المقدِّمة الجزرية»

لشيخ القراء الحافظ
 محمد بن محمد بن محمد بن الجزري

محققة ومقابَلة على عدد من النسخ الخطية والمطبوعة


طبعة جديدة منقحة ومزيدة

تحقيق وضبط
علي بن أمير المالكي
مجازٌ بروايـةِ قـالون وقراءةِ عـاصم
وأحدُ الحُفّاظ الْمُجازِين التابعين للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم

قَرَّظَهُ
الشيخ الدكتور
إبراهيم بن محمد كُشَيْدان
المجاز بالقراءاتِ العشرِ الصغرى والكبرى, والأربعِ الشَّوَاذِّ

الروابط:
رابط صفحة التنزيل والقراءة:
https://goo.gl/wQzUpM
رابط التنزيل المباشر:

https://goo.gl/ahDvKd

الخميس، 17 ديسمبر 2015

اختَلف المعلِّمون في زماننا في تعيينِ أفضلٍ تفسيرٍ يبدأ به طالبُ علمِ التفسير, وكلٌّ فريقٍ له رأْيُه ووجهةُ نظَرِه, ولكننا إذا نظرنا إلى المعطَيَات التي أمامنا نجد أن أنْسَبَ تفسيرٍ مِن بين تلك التفاسير هو "التفسير الميسّر" الذي أعدّه نخبةٌ مِن المتخصصين في التفسير وقام بطبعه مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف؛ إذْ إنه جَمَعَ مِن المزايا ما يلي:
- أنه مِن تأليفِ جماعةٍ وليس عملًا فرديًّا, بالإضافةِ إلى أنه بعد انتهاء اللجنة مِن تأليفِه تَم عرضُه على عدة لجانٍ للمراجعة, ثم بعد صدور طبعتِه الأولى قام بمراجعتِه عددٌ من المتخصصين وأرسَلوا ملاحظاتهم إلى اللجنة القائمة عليه وقامت اللجنة بالنظر في هذه الملاحظات واعتماد ما له وَجهٌ مِنها.
- أنه يقدَّمُ فيه ما صح مِن التفسير بالمأثور على غيرِه.
- أن مؤلفيه تَحَرَّوا الصحة فيما يورِدُونه ويعتمدونه.
- أنه على منهج السلف في العقيدة.
- أنه على قولٍ واحدٍ, إلا إن احتمل اللفظ معنَيَيْن دون رجحان إحدِهما.
- الاختصار.
- سهولة العبارة ووضوحها ودقّة الألفاظ -قدر الإمكان-.
- عدم التعرض للمسائل النحوية والصرفية والبلاغية ونحو ذلك.
- تركيزه على إيضاح المعنى المراد من كلام الله، وهذا هو صلب علم التفسير، وهو أول ما يهم طالب التفسير.
- شرح الآيات بطريقةٍ جميلةٍ وسلِسةٍ, بحيثُ يستطيع القارئ معها فهمَ المعنى الإجمالي ومعاني المفردات في آنٍ واحدٍ, ومَن يطالِع الكتاب سيفهم مرادي -إن شاء الله-.
- بيان معاني الألفاظ الغريبة أثناء التفسير.
- ربط معنى الآية بما قبلها إذا كان الفهم متوقفا على هذا الربط.
- المعنى فيه مساوٍ للآية, وأما الزيادة الواردة في آياتٍ اُخر فإنها تُجتَنَبُ كي تفسّر في مواضعها.
- إيراد معنى الآية مباشرة دون إيراد الأخبار -إلا فيما دعت إليه الضرورة-.

هذه هي المزايا التي ذَكَرَها مَن تحدَّثَ عن هذا الكتاب, وأكثرُها مستقى مِن مقدمة فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله- للكتاب.
نعم هناك ملاحظاتٌ على الكتاب مِن حيثُ عدمُ ذكْرِهِ أسبابَ النزول واختلافَ القراءات ومسائلَ تتعلق بآيات الأحكام وغيرَ ذلك مِن الملاحظات, ولكننا عند مقارنته بغيره مِن الكتب المقترَحة للمبتدئين نجد أنه مِن أفضلِ ما يُمكن أن يبتدئ به طالبُ التفسير؛ إذ إنه يكسِبُ الطالبَ تصَوُّرًا عامًّا لِمَعاني كتاب الله -سبحانه وتعالى-, ويجعل عنده أساسًا جيّدًا يبني عليه وينطلق منه للقراءة في كتب التفسير الأكثر تفصيلًا. 
مع ملاحظة أنّ عليكَ أن تقتني الطبعة المعدّلة مِن الكتاب, وهي التي أشرف عليها الشيخ صالح آل الشيخ, وهذا هو أول إصداراتها -فيما أعلم-: http://publications-...x.gov.sa/?p=139
وقد صدَرَت بعد هذه الطبعة طبعات أُخرى, وأنت كلّما اقتنيتَ طبعةً أحدث كلما كان أفضل لك.

هذا ما خرجتُ به بعد البحث. والله أعلم.
وأرجو ممن عنده فائدة بهذا الخصوص ألا يبخل علينا بها, فأنا ما كتبتث هذا الموضوع إلا للفائدة لي أو لغيري.

كتبٌ في أصول الفقه أُلِّفَت على الطريقة السلفية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق الحمد وأوفاه, والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه محمد بن عبد الله, وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد:
فإنني منذ أن بدأتُ في طلب العلم وأنا أحرص بشِدّةٍ على تتبُّعِ وجمعِ الفوائد والمعلومات التي تمرّ بي مما يتعلق بالكتب عموما, وكان فيما جمعتُ: فوائد تتعلق بكتبِ أصول الفقه, وقد أحببتُ أن أفيد روّادَ منتدانا بنشر طائفةٍ من هذه الفوائد المعلومات مما يتعلق بالجانب العقائدي, سائلا المولى -تبارك وتعالى- أن يعمّ نفعُها.

فصلٌ في ذكر كتبٍ أُلِّفَت على الطريقة السلفية:
1- "الرسالة" للإمام العَلَم محمد بن إدريس الشافعي المطَّلبي -رحمه الله-.
2- "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول" وشرحه: "التحبير"؛ كلاهما للعلامة علاء الدين علي بن سليمان المرداوي المقدسي الحنبلي -رحمه الله-.
قال الشيخ صلاح كنتوش العدني -حفظه الله-: "[المرداوي] من علماء أهل السنة, [وكتابُه] من الكتب التي يثق بها أهل السنة إلا في مواضع يسيرة كنت قد نبهت عليها في كتابي: "التحفة الندية في طبقات الأصوليين العقائدية" " اهـ.
3- "الكوكب المنير " (المسمى: "مختصر التحرير"), و"شرحه"؛ كلاهما للعلامة محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المعروف بـ:"ابن النجار" -رحمه الله-.
قال الشيخ صلاح كنتوش: "[الإمام ابن النجار] من أهل السنة -ولله الحمد-, إلا مواضع نبه عليها أهل العلم منهم العلامة العثيمين -رحمه الله-, وقد ذكرت شيئا منها في ترجمته من: "التحفة الندية في طبقات الأصوليين العقائدية" ". اهـ
وقال الشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-: "...فإن قال قائل: اذكر لي كتابًا أقرؤه؛ أنا لا أريد أن أكون ماهرًا في أصول الفقه؛ أريد كتابًا أعرف به أصول الفقه.
أقول: عليك بكتاب: "شرح الكوكب المنير" لابن النجار الحنبلي؛ لأن هذا الكتاب جمع مزايا: 
منها: أنه -كما يقولون- موسوعي؛ ففيه آراء أصولية كثيرة، لأنه -كما قلت لكم- اعتمد على شرح البرماوي لـ"الألفية"، والبرماوي اعتمد على "البحر المحيط" للزركشي. فهو كتاب موسوعي.
والأمر الثاني: أن مؤلفه ابن النجار سلفي العقيدة؛ ولذلك تقريراته موافقة لعقيدة السلف إلا ما دخل عليه وهو لا يشعر. وهذه مشكلة أصول الفقه، أنه قد يدخل على الكاتب ما لا يشعر به..., فحتى فطاحل العلماء -كابن السمعاني، وابن النجار الحنبلي- دخل عليهم الدخيل في أصول الفقه، أما ابن النجار فأقول: بدون أن يشعر. فلا أقول إن الكتاب -أعني: "شرح الكوكب المنير"- قد سلم في جميع مباحثه، ولكن مؤلفه سلفي العقيدة، وتقريره في الكتاب تقرير سلفي (يعني: ليس مخالفًا لعقيدة السلف), إلا في بعض المباحث وهو لا يشعر.
ولذلك من أراد كتابًا في أصول الفقه يقتنيه ويقرؤه فإنا نوصي بكتاب: "شرح الكوكب المنير" لابن النجار الحنبلي، فمن وجده فإنه يعرف أصول الفقه. ومن أراد المهارة في أصول الفقه فعليه بما ذكرناه وأشرنا إليه (يعني: الكتب التي ذكَرَها في درسه, وهي ما عنْوَنَ لها بـ:"المكتبة الأصولية المصغَّرة")" اهـ.
وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله-: ""مختصر التحرير" للفتوحي مِن أحسن ما أُلِّفَ في علم أصول الفقه, بل مِن أجمع ما ألف فيه, وهذا المختصر كتابٌ صغير, لكنه -في الحقيقة- خلاصة ما قاله الأصوليون في أصول الفقه, فالذي يحفظه عن ظهر فلب ويعرف معناه سيكون أصوليا بالمعنى الحقيقي" اهـ بتصرف يسير.
4- "قواطع الأدلة" للعلامة أبي المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي -رحمه الله-.
قال الشيخ صلاح كنتوش: "هو -بحق- من أفضل ما كتب في أصول الفقه, والمصنِّف من أهل السنة" اهـ.
وقال الشيخ سليمان الرحيلي: "هذا الكتاب من أجلّ كتب الشافعية، وفيه –في الحقيقة- ميزات, منها: أن أبا المظفر السمعاني حافظٌ من الحفاظ، وظَهَرَ هذا في الكتاب؛ فالرواية والذَّب عن السنة بارزة في الكتاب.
ومنها: قلة الأخطاء العقدية -ولا أقول: لا توجد أخطاء عقدية؛ بل فيه أخطاء عقدية، ووافق الأشاعرة في بعض المسائل، ولكن الأخطاء العقدية فيه قليلة بالنسبة لغيره-.
ومن ميزات هذا الكتاب: أن صاحبه كان حنفيًا ثم أصبح شافعيًا، فإذا ناقش الحنفية فإنه يناقشهم مناقشة الخبير بالمذهب... .
فهذا الكتاب كتاب في الحقيقة متميز جدًا؛ ولذلك أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -؛ أثنى على كتابة ابن السمعاني في أصول الفقه؛ لما ذكرته من أمور. وهو كتاب يوصى باقتنائه من كتب الشافعية" اهـ. وانظر ما نقلتُه عن الشيخ آنفا حول "الكوكب المنير".
5- "التمهيد في أصول الفقه" للعلامة أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكَلْوَذَاني الحنبلي -رحمه الله-
قال الشيخ صلاح كنتوش: "[الإمام أبو الخطاب] هو -أيضا- من علماء أهل السنة, وكتابه هذا مصنف على طريقتهم -أعني: أهل السنة-, إلا في مواضع يسيرة ذكرت شيئا منها في ترجمته من: "الطبقات"" اهـ.
6- "المسوَّدة" لآل تيمية -رحمهم الله-, وقد جمعه شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الحراني الدمشقي الحنبلي -رحمه الله-.
7- "نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر" للعلامة عبد القادر بن أحمد بن بدران الدمشقي الحنبلي -رحمه الله-.
قال الشيخ صلاح كنتوش: "الإمام ابن بدران من أهل السنة -ولله الحمد-, والكتاب مأمون من الزلل إلا في موضع أو موضعين نبه عليهما أهل العلم" . اهـ بتصرف يسير
8- "البلبل في أصول الفقه (مختصر الروضة)" و"شرحه"؛ كلاهما للعلامة نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي -رحمه الله-.
قال الشيخ صلاح: "وهذا الكتاب -أيضا- مصنف على طريقة أهل السنة, وإن كان الطوفي قد تُكُلِّم في معتقده؛ إلا أنه في هذا الكتاب لم يذكر إلا ما عليه أهل السنة, ويقرره ويدافع عنه, والله المستعان" اهـ.
9- "العدة في أصول الفقه" للعلامة القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي -رحمه الله-.
قال الشيخ صلاح: "وهو -أيضا- قريب من طريقة أبي الخطاب الحنبلي. وأبو يعلى شيخ أبي الخطاب, وعنه نقل أبو الخطاب كثيرا في كتابه: "التمهيد", وهو قد حصل له بعض الزلل في المعتقد بينتُه في "الطبقات" " اهـ.
10- "الفقيه والمتفقه" للإمام الحافظ الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الشافعي -رحمه الله-.
والخطيب البغدادي من أئمة السنة. قال الشيخ صلاح: "الخطيب معروف أنه من أعلام أئمة السنة, وكتابه هذا قريب من طريقة الغمام الشافعي -رحمه الله-, غير أنه [-أي: الخطيب-] أقرّ بوجود المجاز في الشرع على طريقة المتأخرين من الأصوليين, وقد بينت شيئا من ذلك في ترجمته". اهـ بتصرف يسير.
11- "إعلام الموقعين عن رب العالمين" لشيخ الإسلام ابن قيم الجوزية -رحمه الله-.
فقد تضمَّن عدة مباحث أصولية.
قال الشيخ علي الرازحي: "وقد جمع أبو عبد الرحمن عبد المجيد [جمعة] الجزائري -وفقه الله- "اختيارات ابن القيم الأصولية" في مجلدين؛ فأجاد وأفاد, وصار كالمصنَّف المستقل عن ابن القيم في أصول الفقه" اهـ.
12- جامع بيان العلم وفضله" للإمام ابن عبد البر يوسف بن عبد الله القرطبي المالكي -رحمه الله-.
قال الشيخ الرازحي: "تضمن البحث فيه أمرين:
الأول- فضل العلم وآداب العالم والمتعلم.
الثاني - مباحث أصولية" اهـ.
13- "الرسالة اللطيفة في أصول الفقه" للعلامة ابن سعدي -رحمه الله-.
14- "وسيلة الحصول إلى مهمات الأصول" للعلامة حافظ الحكمي -رحمه الله-.
15- "مذكرة أصول الفقه", و"نثر الورود على مراقي الصعود"؛ كلاهما للعلامة محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-.
16- "الأصول من علم الأصول", و"شرحه", و"منظومة أصول الفقه وقواعده" ثلاثتها للعلامة ابن عثيمين -رحمه الله-.
17- تسهيل الوصول إلى فهم علم الأصول" للعلامة عبد المحسن العباد -حفظه الله - وزميليه, وراجعه العلامة عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله-.
18- "المنحة الرضية في شرح التحفة المرضية في نظم المسائل الأصولية على طريقة أهل السنة السَّنِية" للعلامة محمد بن علي بن آدم الإثيوبي -حفظه الله-.
هذا ما تيسر لي جمعه من العناوين تحت الفصل المذكور. وأسأل الله أن يمن عليّ بالمزيد؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وأختم بهذه النصيحة العامة:
قال الشيخ سليمان الرحيلي: "إن الذي يقرأ في أصول الفقه ينبغي عليه أن يكون عنده زاد من عقيدة السلف، يأمن به الزلل، أو يقرأ في الكتب التي عنيت بالتحرير لهذه المسائل، مثل كتاب: "المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين" للعروسي؛ فهذا الكتاب عُني بتحرير المسائل التي فيها زلل, واعتمد على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله– كثيرًا.
وأيضًا كتاب: "مباحث أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه" لخالد عبد اللطيف؛ فقد جمع المباحث العقدية في أصول الفقه وعَرَضَهَا على عقيدة أهل السنة والجماعة، وإن لم يُحِطْ بها لكنه كَتَبَ كتابةً طيبةً نافعة، فمن قرأها فإنه يستفيد.
وأيضا "المذكرة" للشيخ الأمين الشنقيطي -مذكرة أصول الفقه-؛ فإن الشيخ عُني بهذا الباب عناية طيبة.
وكما قلت: القراءة في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله–؛ فقد اعتنى شيخ الإسلام -لاسيما في "مجموع الفتاوى"- بهذا الباب عناية طيبة جدًا، ونقح أصول الفقه، وانتقد فيه ما أُدخِل فيه من عقائد وأصول تخالف ما عليه أهل السنة والجماعة.
وقد كتبت فيه هذا أبحاثًا, منها: "مباحث الأمر الأصولية التي انتقدها شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى""، و"مباحث الكتاب والسنة ودلالات الألفاظ التي أخطأ فيها الرازي في "المحصول" و"المعالم""، و"نقد شيخ الإسلام ابن تيمية لمسألة تكليف ما لا يطاق"، وقريبًا -إن شاء الله- سيخرج "نقد شيخ الإسلام ابن تيمية للمسائل الأصولية المتعلقة بالقياس والإجماع".
وهذا كله -في الحقيقة- مستفاد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وموثق من كتب أهل العلم. " اهـ.
وأزيد على ما ذكر:
1- كتاب: "أخطاء الأصوليين في العقيدة" للشيخ صلاح كنتوش العدَني؛ فإنه كتاب ماتعٌ نافعٌ, تحدّث فيه عن الكثير من مزالق الأصوليين في العقيدة وبعض مسائل الأصول.
2- كتاب: "التحفة الندية في طبقات الأصوليين العقائدية" للشيخ صلاح كنتوش -أيضا-؛ يذكر فيه تحت التراجم ما تيسر له من أخطاء صاحب الترجمة. 
3- كتاب: "مبادئ علم الأصول" للشيخ علي بن أحمد الرازحي, تحدّث فيه عن جملة من مزالق الأصوليين. 

والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه 
علي المالكي


شبهة يلقيها أهل القراءة بالمقامات الموسيقية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
فإن من الشُّبَه التي يروِّجها الذين يقرؤون بالمقامات الموسيقية: قولهم: "إن كل من قرأ القرآن متغنِّياً به فإنه لا بد أن يوافق مقاماً من المقامات - شاء أم أبى -".
ولكن هذه الشبهة لا تنطلي إلا عند عدم العلم بحقيقة الأمر
إذْ إنَّ أزمنة علم التجويد تختلف عن أزمة المقامات, فكل مَن قرأ بالمقامات بأزمنتها مطبِّقاً لها بحذافيرها فإنه سيخل بأزمنة التجويد ولابد, وإلا لانكسَر منه المقام (وهذا ما يسمونه بـ"النَّشَاز").
ومن أمثلة الأخطاء التي تحدث عندما يُغَلَّب الزمن النغمي على الزمن التجويدي:
1- تطويل أو تقصير أزمنة المدود والغنن عن حدها.
2- إشباع بعض الحركات حتى تتولد منها حروف مد من جنسها.
3- اختلاس زمن الحركات في غير محله.
4- تطويل زمن الحرف الرخو الساكن أو البيني الساكن عن حده المطلوب.

أخي القارئ...
من المعلوم أن القرآن ليس بالشعر
ولكن لو أتينا إلى قوله تعالى: (الحمد لله الذي هدانا) نجد أنه موزون عروضياً على صدر أو عجز بيت من بحر الرجز
ومثله قوله تعالى: (إنا إذاً لفي ضلال وسُعُر)
وكذلك لو أتينا إلى قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) نجد أنه موزون
فهل وجود هذه المقاطع وأمثالِها في القرآن يجعلنا نقول بأن القرآن شعر؟!
حاشا وكلا
الشعر شيء قائم بذاته يتألف من أبيات لها صدر وعجز ولها قافية وموزونة بأوزان معينة ....

كذلك الأمر بالنسبة لأزمنة التجويد وأزمنة المقامات
هل مَن قرأ القرآن فوافق عند قراءتِه لمقطع قرآني معيَّنٍ مقامَ النهاوند مثلاً؛ هل يقال إنه قرأ بالنهاوند؟!
الإجابة لك
مقام النهاوند مقام له أوزانه وأزمنته وأحكامه الخاصة, لو عرضنا تلاوة ذلك القارئ عليها لَوَجَدْنا أنه في الواقع لم يقرأ بالنهاوند, إنما وافقه في مقطع معين ثم خالفه
وهكذا يقال في بقية المقامات

هل رأيتم كيف أن هذه شبهة واهية؟

وأختم بهذا الكلام القيم للإمام ابن القيم رحمه الله, قال في زاد المعاد – بعد أن عرض الخلاف في هذه المسألة -:
((وفصل النزاع، أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين، أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خُلّي وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعتَه بفضلِ تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم: "لَو علمتُ أنّكَ تَسمَع لَحَبَّرْتُه لَكَ تحبِيراً", والحزين ومَن هاجه الطرب والحبُ والشوق لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوسَ تقبلُه وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا متطبِّع، وكَلفٌ لا متكلَف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامعُ، وعلى هذا الوجه تُحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.
الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعةً من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصُل إلا بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلم أصوات الغِناء بأنواع الألحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزانٍ مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلُم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلفُ، وعابوها، وذمّوها، ومنعوا القراءةَ بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباهُ، ويتبين الصوابُ من غيره، وكلُّ من له علم بأحوال السلف، يعلم قطعاً أنهم بُرآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة، التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى للّه من أن يقرؤوا بها، ويُسوّغوها، ويعلم قطعاً أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسِّنون أصواتَهم بالقرآن، ويقرؤونه بِشجىً تارة، وبِطَربِ تارة، وبِشوْق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع اللّه لمن قرأ به، وقال: "لَيْسَ مِنَّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقرآنِ" وفيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلُّنا نفعله، والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته صلى الله عليه وسلم)) اهـ.