الأحد، 3 يونيو 2018

الأدلة النظرية والعملية على أن القاف والطاء من الأصوات الجهرية (موضوع للمناقشة)


الأدلة النظرية والعملية على أن القاف والطاء من الأصوات الجهرية (موضوع للمناقشة)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن الناظر فيما قيل في وصْفِ صوتَيِ القافِ والطاءِ يجدُ أن المتقدمين من علماءِ اللغةِ وعلماءِ التجويدِ جعلوهما ضمن الأصوات المجهورة([1])، وفي مقدمتهم سيبويه([2])، وظل هذا الرأيُ متلقًّى بالقبول ممن بَعْدَهُم من علماء العِلْمَيْن([3])، إلى أن جاء علماءُ الأصواتِ المُحْدَثون فقرروا أنهما صوتان مهموسان([4])؛ فاعترض عليهم معاصروهم مِن علماءِ اللغةِ وعلماءِ التجويد، وحصل بين الفريقين أخذٌ وردٌّ، كانت نتيجته أنْ بَقِيَ كلُّ فريقٍ على رأيه، إلا فئةً قليلةً مِن هؤلاء وهؤلاء تَغَيَّرت آراؤهم إلى آراء خصومهم.
وكنتُ أحد الذين تغيَّر رأيُهم من رأيِ علماء اللغة وعلماء التجويد إلى رأي علماء الأصوات المحدَثين؛ وذلك بعد أن علِمتُ أنّ رأيَ علماء الأصوات كان مبنيًّا على تجارِب أُجْرِيَت في معامل الأصوات، واستُخدِمَت فيها الأجهزةُ، فأثبتت تلك التجارِبُ أن الوترين الصوتيين لا يهتزان عند نطق القاف والطاء، وبناء على تعريف المحدثين لِصِفَتَيِ الجهرِ والهمسِ، وكلامِ بعضِ علماء اللغة - فإنهما يصنَّفان على أنهما صوتان مهموسان؛ لأن الصوت المجهور عندهم «هو الذي يهتز الوتران الصوتيان عند النطق به»(5)، والصوت المهموس «هو الذي لا يهتز الوتران عند النطق به»([5])، وقد ذكر شَمِرُ بنُ حَمدَوَيْه([6]) أن «الهمس من الصوت والكلام: ما لا غور له في الصدر، وهو ما هُمِس في الفم...، والهمس والهميس: حِسُّ الصوت في الفم مما لا إشراب له من صوت الصدر ولا جهارة له في المنطق؛ لأنه كلام مهموس في الفم كالسر»([7])، وهذا المعني ألمح إليه سيبويه حين قال: «واعلم أن من الحروف حروفًا مُشرِبَةً ضُغطَت من مواضعها، فإذا وقفتَ عليها خرج معها صويت ونَبَا اللسان عن موضعه، وهي حروف القلقلة...، ومن المشربة حروف إذا وقفت عندها خرج معها نحوُ النفخة، ولم تُضغَط ضغطَ الأولى، وهي: الزاي، والظاء، والذال، والضاد، لأن هذه الحروف إذا خرجت بصوت الصد انسل آخره وقد فتر...، وأما الحروف المهموسة فكلها تقف عندها مع نفخ؛ لأنهن يخرجن مع التنفس لا صوت الصدر، وإنما تنسل معه»([8])، وقال: «وإنما فرَّق بين المجهور والمهموس أنك لا تصل إلى تبيين المجهور إلا أن تُدخله الصوتَ الذي يخرج من الصدر، فالمجهورة كلها هكذا؛ يخرج صوتهن من الصدر، ويجري في الحلق، غير أن الجيم والنون  تخرج أصواتهما من الصدر وتجري في الصدر والخيشوم؛ فيصير ما جرى في الخيشوم غنة يخالط ما جرى في الحلق، ... وأما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها، وذلك مما يزجي الصوت، ولم يُعْتَمَد عليه فيها كاعتمادهم في المجهورة، فأُخرج الصوت من الفم ضعيفًا»([9])، فكلامه يُفهم منه أن صوت الصدر يراد به صوت اهتزاز الأوتار الصوتية([10])، وأن هذا الاهتزاز جزء من حقيقة الجهر، وأن عدمَه جزء من حقيقة الهمس.
وهذا الأمر موافق لتعريفهما اللغوي؛ حيث إن الجهر بالكلام: إعلانه وإظهاره ورفع الصوت به([11])، والهمس: الخفي من الصوت([12])، ونحن نرى أن اهتزاز الوترين هو الذي يعطي الأصوات المجهورة ذلك الظهور والوضوح والعلوّ الذي نجده فيها.
فقلت في نفسي: لا سبيل إلى تركِ ما أثبتته الأجهزةُ الدقيقةُ إلى ما ثبت بمجرد الملاحظة الذاتية؛ فإن نتائج الأجهزة أدقّ إذا كانت قد بُنِيَت على مُدخَلات صحيحة، وتحليلٍ صحيحٍ لهذه المدخلات.
لكن لَفَتَ نظري سلوك القاف والطاء؛ حيث وجدتهما تتصرفان من أكثر من حيثية كالأصوات المجهورة؛ فلذا أخذت أقلب النظر فيهما رغبةً في الوصول إلى الصواب، فوجدتُ ما يأتي:
أولا- عندما نقوم بتجربةِ إغلاقِ الأذنين براحتي اليدين (وهي طريقةٌ تُجرَى لاستشعار اهتزاز الأوتار([13])، حيث إن اهتزاز الأوتار ينتج عنه صدى يملأ تجاويف الحنجرة والفم والأذنين، فإذا ما أغلقت أذنيك ونطقتَ بالحرف بشكل متصل بَدَا لك هذا الاهتزاز واضحا) – فعندما نقوم بهذه التجربة على صوتَيِ القافِ والطاءِ  وَفقًا للنطق الصحيح([14]) فإننا عند تصادم طرفَيْ عضوِ النطق لا نسمع شيئا؛ لأن الهواء ينحبس تماما خلف المخرج، فلا يصبح له تأثير واضح في الوترين الصوتيين، ولعل هذا ما جعل الأصواتيين يحكمون عليهما بأنهما مهموستان، لكن هناك أمران دقيقان يجعلاننا نستنبط أن القاف والطاء مجهورتان:
الأمر الأول- أن الوترين الصوتيين وإن كانا حين انغلاق المخرج لا يهتزان إلا أنهما يكونان في حالةٍ تشبه التوتُّر، مشدوديْن غيرَ مرتاحَيْن، وذلك لقوة ضغط الهواء الصاعد من الرئتين، وهذا يعني أنهما لو أتيح للهواء أدنى فرصة للسريان فإنهما سيهتزان معه. وهذا الأمر لا يحدث عند نطق الأصوات المهموسة. 
الأمر الثاني- اللحظة التي تسبق انعدامَ الاهتزازِ وانحباسَ النفَسِ، حيث نلاحظ أن الوترين في هذه اللحظة يهتزان إلى أن يتوقف خروج النفس، وهذا الأمر لا يوجد في أي صوت من الأصوات المهموسة، وجرب بنفسك لتدرك ذلك، سترى فرقا بين القاف والطاء من جهة والأصوات المهموسة من جهة أخرى في تلك اللحظة، وهذا يدل على أن القاف والطاء لا تسلكان سلوك الأصوات المهموسة.
ثانيًا- أننا عندما ننطق القاف والطاء وَفقَ النطق الصحيح نجد فيهما قوة في الاعتماد على المخرج، وهذا جزء من حقيقة الجهر عند سيبويه([15]) ومَن جاء بعده([16])، وأيضا نجد فيهما تضيقا في الأوتار الصوتية، وقِلَّةً في تدفق النفس([17])، وهذا ينتج من قوة الاعتماد على المخرج، وتَضَيُّق المسافة بين الأوتار، وهذه الملاحظات إنما نجدها في الأصوات المجهورة فقط([18])، فإذن القاف والطاء يسلكان في ذلك سلوك الأصوات المجهورة.
ثالثًا- قال سيبويه: «ولولا الإطباق لصارت الطاء دالا»([19])، والدال مجهورة اتفاقًا، فلو كانت الطاء الفصيحة مهمومسة لصارت بزوال الإطباق تاءً.
وليس بمُسَلَّمٍ ما قرره بعضُ علماء الأصوات (مستدلين بكلام سيبويه السابق) من أن نطقَ الطاء القديمة التي وصفها سيبويه تغيَّر عما كان عليه وأصبح صوتًا مهموسًا، وأنه كان كالضاد التي ينطقها المصريون اليوم، والتي هي دال مطبقة، قالوا: لأن هذه الضاد هي النظير المطبَق للدال، فلا بد من أن تكون بناء على وصف سيبويه هي الطاء الفصيحة، وأنها قد حصل لها تغيير مع الوقت فصارت مهموسة([20]).
وكذلك ذكروا في القاف؛ حيث قالوا: إن نطقها الذي وصفه سيبويه ليس كنطقها الآن، وبحَثوا في اللهجات المعاصرة بغية أن يعثروا على قاف فيهما صفة الجهر واضحة كما يريدون، فلم يجدوا أمامهم إلا (القاف الشبيهة بالغين) التي ينطقها أهل السودان، و(الكاف التي كالجيم) التي ينطقها كثير من أهل البوادي في اليمن ونجد وغيرهما([21]).
وكلامهم فيه نظر (كما ذكرت)؛ لأن الطاء والقاف اللتين ننطقهما اليوم نقلهما لنا هكذا علماءُ القراءة مشافهةً بالأسانيد المتصلة إلى رسول الله ×، ولم ينقُل أحدٌ مِن أهل الأداء نطقَهما بالكيفيات التي زعموا أنها أصلهما الفصيح، والله (سبحانه وتعالى!) قد تكفل بحفظ كتابه الكريم لفظًا ومعنًى، فمن المحال أن يتفق المسلمون في العصور المتأخرة على نطق هذين الحرفين بغير النطق العربي الفصيح الذي نزل به القرآن ويُقِرَّهم الله على ذلك ولا يقيِّض مَن يبين الصوابَ، فالواقع يكذِّبُ هذا الزَّعْمَ، وهذا الدليلُ أقوى الأدلة على خطإِ قولِهم، وهناك دليل آخر قوي أيضًا وهو أن الهمزة مثل الطاء والقاف في انعدام اهتزاز الأوتار عند انغلاق المخرج، ومع ذلك وصفها سيبويه بالجهر([22])، ووافقه مَن بعدَه من علماء القراءة وعلماء اللغة([23])، بينما انحصر خلاف الأصواتيين في أنها إما مهموسة وإما لا مجهورة ولا مهموسة([24])، ونحن وهم متفقون على أنها في زمن سيبويه كانت تنطق كما تنطق اليوم، ولم يقل أحد من المحدثين (فيما اطلعت عليه): إنها كانت حرفًا آخر غير المعروف اليوم. فهذا يدل على أن انعدام اهتزاز الأوتار عند انغلاق المخرج لا يعني الحكم على الحرف بأنه غير مجهور عند المتقدمين، فهناك اعتبارات أخرى يراعونها لتكتمل بها حقيقة الجهر عندهم، ، فكلام سيبويه السابق الذي قاله في الطاء ينبغي أن يُفهم في ضوء هذا الاعتبار، فهذه الحروف اختصت بتوقف اهتزاز الوترين عند النطق بها، فلا يظهر جهرها بوضوح كحروف الجهر الأخرى، فالطاء لو زال عنها الإطباق فليس بين الحروف التي تشاركها في المخرج حرف يحمل جميع صفاتها عدا الإطباق والاستعلاء إلا الدال، وسيبويه يقرر أن الطاء مجهورة، فهي حينئذ تصير كالدال نظريا (إن صح التعبير). المهم أنهم ليس لهم أن يُقدِموا على تخطئة القراء بناء على تحليل عقلي صادر عن نطق غير سليم، فالعقل لا يُعارَضُ به النقلُ، وما يني على خطإٍ فهو خطأٌ.
رابعًا- الصُّوَيْتُ الذي يعقُبُ نطقَ القاف والطاء عند سكونهما (وهو صوت القلقلة) نجد أنه عند نطقهما بتمكين الاعتماد يكون صوتا مجهورا، وإذا نطقناهما بتقليل الاعتماد فسيكون مهموسا لا يصحبه اهتزاز للوترين، إنما سيكون تماما مثل النفخة التي تَعْقُبُ نطقَ الكاف والتاء، فَفِي هذين الحرفين الشدةُ التي تَحبِس النفسَ وتضغطه خلف المخرج، لكن لكونهما مهموسين لم يَرْقَ الصوتُ الخارجُ معهُما إلى أن يسمى قلقلةً عند جمهور علماء اللغة وعلماء التجويد وعلماء الأصوات.
فإذَنْ لو لم يكن القاف والطاء مجهورَين ولم يَكُنِ الوتران عند نطقهما متوترين ومشدودين ومتضيقين لَـمَا امتد ذلك الاهتزاز إلى الصويت الذي يتبعهما، ولكان هذا الصويت لا يُعد قلقلة عند الجمهور، ونحن نرى الجميعَ مجمعون على أن القاف والطاء من حروف القلقلة، حتى علماءُ الأصوات يسلّمون بذلك.
فهذا يدل على أن توقف الوترين عن الاهتزاز حين انغلاق المخرج هو أمرٌ عارضٌ سببه عدم جريان النفس خلالهما، وأما اللحظةُ التي تسبق الانغلاق واللحظةُ التي تَعقُبه فالجهر فيهما واضح، وهما بين ذَيْنِ اللحظتين في حالة توتر وانشداد واستعداد للاهتزاز.
خامسًا- وجود نظير مهموس للقاف والطاء الفصيحتين دليلٌ على كونهما مجهورتين، والنظير المهموس المشار إليه هو الذي ينطقه المصريون (كما سبق بيانُه آنفًا)، فنحن إذا قللنا الاعتماد على المخرج سنجد صوتا مهموسا فيه كل العلامات التي توجد في الحروف المهموسة: من توسع الوترين، وقلة الضغط عليهما، وتقليل الاعتماد على المخرج، وخروج نفس كثير نسبيا، وعدم اهتزاز الوترين في اللحظة التي تسبق انغلاق المخرج، وكذا اللحظة التي تَعقُبُ انفتاح المخرج، حيث يخرج بعدهما نفس كالذي في الكاف والتاء، بينما إذا قوّينا الاعتماد حدث عكس هذه الأمور: مِن تضيُّق الوترين، وزيادة الضغط عليهما، وقلة تدفق النفس نسبيا، ووجود اهتزاز للوترين قبل وبعد الانغلاق، وهذه الأمور من علامات الحروف المجهورة. فهذا يدل على وجود نظير مهموس يحمل كل صفات تلك الحروف إلا الصفات التي تشبه فيها مع الحروف المجهورة (باستثناء الاهتزاز أثناء انغلاق المخرج، فهو لا يوجد في الحالين)، فهذا يدل على أن القاف والطاء الفصيحتين مجهورتان.
سادسًا- تأثير التجاور، حيث إن القاف والطاء إذا ما جاورتا صوتًا مجهورًا (كما في كلمتي: أقلام وأطلال) نجد أن قوةَ الاعتمادِ على المخرج تصفو لنا كثيرًا، بخلاف ما لو جاورتا صوتًا مهموسًا (كما في كلمتي: أقفال وأطفال) فحينئذ نجد في جهاز النطق ميلًا إلى نطقهما كنطق المصريين، وأهلُ ليبيا والعراق والخليج وأمثالُهم يشعرون بهذا أكثر من المصريين والمغاربة وأمثالِهم؛ لأن الأصلَ في الطاء والقاف عند الأوّلِين قوةُ الاعتماد، بخلاف ما عند الأخيرين، ومع ذلك نجد ضعفًا في الاعتماد إذا جاورتا صوتًا مهموسًا، وهذا يدل على أن صفة الجهر موجودة فيهما؛ حيث تأثرا بمجاورة المهموس فتغير نطقهما إلى نطقٍ مختلف عن الحالة الأخرى.
إذا ما لاحظنا ذلك، فلنطبق هذا الأمر على كلمتي: (أقطاب) و(أقتاب)، فنجد أن القاف في الكلمة الأولى تحتفظ بقوتها لمجاورة الطاء، بينما في الثانية تضعف بسبب مجاورة التاء، وليس للهمزة كبيرُ تأثيرٍ في ذلك هنا؛ لأنها لم تَحْمِ القافَ من تأثير التاء.
فنخلُصُ من هذا البحث إلى أن القاف والطاء مجهورتان؛ لسلوكهما سلوك الأصوات المجهورة إلا في موضوع اهتزاز الأوتار عند انغلاق مخارجهما، فإما أن نضيف إلى تعريف الجهر والهمس موضوعَ أشباعِ الاعتمادِ على المخرج ونجعله جزءًا من ماهِيَّاتِهما، وإما أن نقول: إن التوقف العارض للأوتار الصوتية في لحظة انغلاق المخرج ينبغي ألّا نعتبر به، ولعل هذا الأخير هو الحل الأقرب للحفاظ على هذين الصوتين ضمن الأصوات المجهورة من دون الاضطرار إلى إضافة قيد جديد.
وكذا يقال في الهمزة، فآراء الأصواتيين (كما سبق) تقرر أنها دائرة بين الهمس وبين عدم الجهر والهمس كِلَيْهما، ولم تَنُصَّ كُتُبُهم على احتمالِ الجهر فيها، مع أن ما يقال في القاف والطاء يمكن أن يقال فيها، والتجربة تشهد لذلك، ونحن نرى كيف أن الجهاز النطقي يعاني مِن من ثِقَلها أكثر من أي حرف آخر، وأنه يميل إلى التخلص من صَوْلتها بأكثر من وسيلة.
ثم إن هناك أمرًا حصل في التجارب الصوتية زاد الأمر تعقيدًا، وهو عدم صحة المدخَلات؛ وذلك لأن الرواد الاوائل كانوا يعتمدون في نتائجهم على نطقِ بعضِ قُرَّاء القرآن والمثقفين من المصريين([25])، وهم ينطقون القاف والطاء مهموستين (كما أسلفنا).
إلى هنا أنتهي مما أردتُ بيانَه، فإن أصبتُ فمن الله وحده، وبسببِ توفيقِه وفَتْحِه وتيسيرِه وعَوْنِه، وإن أخطأتُ فمِن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك.
وأرجو ممن وجد خطأً أو نقصًا ألا يبخل عليّ بالنصح والتوجيه، وذلك على بريدي الإلكتروني: (ali_almalikey@hotmail.com)، وسأكون شاكرًا له.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين!
والحمد لله رب العالمين.

كتبه
علي بن أمير المالكي
البيضاء – ليبيا
7 / رمضان / 1439هـ




المصادر والمراجع
«إبراز المعاني من حرز الأماني» لعبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بأبي شامة، تحقيق : إبراهيم عطوة عوض، الناشر : شركة مكتبة مصطفى البابي الحلبي – مصر، لا ط، لا ت.
«الأصوات العربية» لكمال محمد بشر، الناشر: مكتبة الشباب – مصر، لا ط، لا ت.
«الأصوات اللغوية» لإبراهيم أنيس، الناشر: مكتبة نهضة مصر – مصر، لا ط، لا ت.
«التحديد في الإتقان والتجويد» لأبي عمرو الداني، تحقيق: غانم قدوري الحمد، الناشر: مكتبة دار الأنبار – بغداد، ط1، 1407 هـ.
«التمهيد في علم التجويد» لأبي الخير محمد بن محمد بن محمد بن الجزري، تحقيق: على حسين البواب، الناشر: مكتبة المعارف – الرياض، ط1، 1405هـ.
«الدراسات الصوتية عند علماء التجويد» لغانم قدوري الحمد، الناشر: دار عمار – الأردن،، ط3، 1430هـ.
«الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة» لمكي بن أبي طالب القيسي،  
«الشاطبية» للقاسم بن فيره الشاطبي، تحقيق: محمد تميم الزعبي، الناشر: مكتبة دار الهدى ودار الغوثاني – دمشق، ط4، 1426هـ.
«الشافية في علمي التصريف والخط» لأبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب المالكي، تحقيق: صالح عبد العظيم الشاعر، الناشر: مكتبة الآداب – القاهرة، ط1، 2010هـ.
«الكتاب» لسيبويه، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: مكتبة الخانجي – القاهرة، ط3، 1408هـ.
«المدخل إلى علم الأصوات اللغوية» لغانم الحمد، الناشر: دار عمار – الأردن، ط1، 1425هـ.
«المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي» لرمضان عبد التواب، الناشر: مكتبة الخانجي – القاهرة، ط3، 1417هـ.
«المعجم الوجيز» صادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الناشر: مجمع اللغة العربية – القاهرة، ط1، 1400هـ.
«المفصل في صنعة الإعراب» لجار الله محمود بن عمرو الزمخشري، تحقيق: علي بو ملحم، الناشر: مكتبة الهلال – بيروت، ط1، 1993م.
«المنح الفكرية» لعلي بن سلطان القاري، الناشر: المطبعة الميمنية – مصر، لا ط، 1322هـ.
«المنير في أحكام التجويد» لأحمد خالد شكري وزملائه، ط26، 1435هـ.
«الموضح في التجويد» لعبد الوهاب القرطبي، تحقيق: غانم الحمد، الناشر: دار عمار – الأردن، ط1، 1421هـ.
«النشر في القراءات العشر» لأبي الخير محمد بن محمد بن محمد بن الجزري، المحقق: علي محمد الضباع، الناشر : المطبعة التجارية الكبرى [تصوير دار الكتاب العلمية]، لاط، لات.
«جهد المقل» لمحمد بن أبي بكر المرعشي الملقب بساجقلي زاده، تحقيق: سالم قدوري الحمد، الناشر: دار عمار – الأردن، ط2، 1429هـ.
«دراسة الصوت اللغوي» لأحمد مختار عمر، الناشر: مطابع سجل العرب، لا ط، 1396هـ.
«سر صناعة الإعراب» لأبي الفتح عثمان بن جني، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1421هـ.
«سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي» لعلي بن عثمان بن محمد بن أحمد بن الحسن المعروف بابن القاصح، مراجعة: علي بن محمد الضباع، الناشر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، ط3، 1373هـ.
«شرح الجزرية» لغانم الحمد، الناشر: معهد الإمام الشاطبي – جدة، ط1، 1429هـ.
«شرح كتاب سيبويه» لأبي سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، تحقيق: أحمد حسن مهدلي  وعلي سيد علي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط1، 2008م.
«علم اللغة مقدمة للقارئ العربي» لمحمود السعران، الناشر: دار الفكر العربي – القاهرة، ط2، 1997م.
«لسان العرب» لمحمد بن مكرم بن منظور، الناشر: المطبعة الأميرية – بولاق، ط1، لا ت.
«محاضرات في اللسانيات» لفوزي حسن الشايب، الناشر: وزارة الثقافة – عمان، ط1، 1999م.
«مناهج البحث في اللغة» لتمام حسان، الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية – مصر، لا ط، لا ت.
«هداية القاري إلى تجويد كلام الباري» لعبد الفتاح بن السيد عجمي المرصفي، الناشر : مكتبة طيبة - المدينة النبوية، ط2، لا ت.


([1]) ينظر (لا على سبيل الحصر): «الرعاية» لمكي بن أبي طالب (92- 93)، و«التحديد» للداني (107)، و«الموضح» للقرطبي (88- 90)، و«سر صناعة الإعراب» لابن جني (1/ 75)، و«الدراسات الصوتية عند علماء التجويد» لغانم قدوري الحمد (204)، و«شرح الجزرية» له أيضا (287- 288).
([2]) «الكتاب» (4/ 434).
([3]) ينظر (لا على سبيل الحصر): «الشاطبية» (البيت 1153)، و«المفصل في صنعة الإعراب» للزمخشري (547)، و«الشافية في علمي التصريف والخط» لابن الحاجب (98)، و«إبراز المعاني» لأبي شامة (2/ 751)، و«سراج القارئ» لابن القاصح (408-409)، و«التمهيد» لابن الجزري (86- 87)، و«النشر» له (1/ 202)، و«المنح الفكرية» لعلي القاري (98)، و«جهد المقل» للمرعشي (145- 147)، و«هداية القاري» للمرصفي (1- 79- 80)، و«المنير في أحكام التجويد» (69- 70).
([4]) ينظر: «الأصوات اللغوية» لإبراهيم أنيس (22)، و«الأصوات العربية» لكمال بشر (102- 140 و 109- 111)، و«علم اللغة» للسعران (130- 131)، و«دراسة الصوت اللغوي» لأحمد مختار عمر (106- 108)، و«المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي» لرمضان عبد التواب (75- 77 و 79- 82)، و«المدخل إلى علم الأصوات» لغانم الحمد (101- 106)، و«شرح الجزرية» له أيضا (288).
([5]) «المدخل إلى علم الأصوات» لغانم الحمد (101- 106)، و«شرح الجزرية» له أيضا (287). وينظر: «الأصوات اللغوية» لإبراهيم أنيس (21- 22)، و«الأصوات العربية» لكمال بشر (86)، و«علم اللغة» للسعران (119)، و«مناهج البحث في اللغة» لتمام حسان (86- 88)،
([6]) شَمِر بن حمدويه الهروي، أبو عمرو، نحوي لغوي، توفي سنة 255هـ. ينظر: «معجم المؤلفين» (4/ 306)، و«الأعلام» (3/ 175).
([7]) «لسان العرب» (همس).
([8]) «الكتاب» (4/ 174- 175).
([9]) «شرح كتاب سيبويه» للسيرافي (5/ 396).
([10]) ينظر: «شرح الجزرية» لغانم الحمد (290- 291).
([11]) ينظر: «شرح كتاب سيبويه» للسيرافي (5/ 396)، و«لسان العرب» (جهر)، و«المعجم الوجيز» (جهر).
([12]) «لسان العرب» (همس).
([13]) ينظر: «الأصوات اللغوية» (21- 22)، و«محاضرات في اللسانيات» لفوزي الشايب (70)، و«شرح المقدمة الجزرية» لغانم قدوري الحمَد (196).
([14]) وأعني بالنطق الصحيح أن ننطقهما بتقوية الاعتماد على مخارجهما، كما هو نطق أهل دول الخليج والعراق وليبيا ونحوهم، لا بتقليله كما هو الحال في مصر؛ فإن أكثر قرائهم فَضْلًا عن مثقفيهم ينطقون القافَ والطاءَ بتقليلِ الاعتماد على المَخْرَج، فيُخرِجون الطاءَ قريبةً من التاء (أي يخرجونها وكأنها تاء مفخمة)، ويُخرجون القافَ مشوبةً بشيء من صوت الخاء، وسببُ ذلك تأثرُهم بالبيئة اللغوية التي يعيشون فيها، وبعبارة أخرى: تأثرهم بما اعتادوا عليه من ظواهر لهجية.
([15]) ينظر: «الكتاب» (4/ 434).
([16]) ينظر ما ذُكِر من كتب اللغة والتجويد القديمة في أول البحث.
([17]) وهذا الأمر لا يمكن ملاحظته إلا بتدقيق النظر في كمية الهواء الذي يتدفق إلى الحنجرة والفم عند نطق القاف والطاء بالنطق الصحيح تارة ونطق المصريين تارة، فنجد أن الأوتار
([18]) ينظر: «جهد المقل» (146)، و«علم اللغة» للسعران (126- 127)، و«المدخل إلى علم الأصوات» لغانم الحمد (106)، و«شرح الجزرية» له (194- 197).
([19]) «الكتاب» (4/ 436).
([20]) ينظر: «الأصوات اللغوية» (53- 54)، و«الأصوات العربية» (103).
([21]) ينظر: «الأصوات اللغوية» (72- 74)، و«الأصوات العربية» (110- 111).
([22]) «الكتاب» (4/ 434).
([23]) ينظر (لا على سبيل الحصر): «الرعاية» لمكي بن أبي طالب (92- 93)، و«التحديد» للداني (107)، و«الموضح» للقرطبي (88- 90)، و«سر صناعة الإعراب» لابن جني (1/ 75)، و«الشاطبية» (البيت 1153)، و«الشافية» لابن الحاجب (98)، و«إبراز المعاني» لأبي شامة (2/ 751)، و«سراج القارئ» لابن القاصح (408-409)، و«النشر» لابن الجزري (1/ 202)، و«المنح الفكرية» لعلي القاري (98)، و«جهد المقل» للمرعشي (145- 147)، و«هداية القاري» للمرصفي (1- 79- 80)، و«المنير في أحكام التجويد» (69- 70)، و«شرح الجزرية» لغانم قدوري الحمد (287- 288).
([24]) ينظر: «الأصوات اللغوية» لأبراهيم أنيس (77)، و«علم اللغة» للسعران (131- 132)، و«الأصوات العربية» لكمال بشر (112)، و«مناهج البحث في اللغة» لتمام حسان (91)، و«المدخل إلى علم الأصوات» لغانم الحمد (101- 106)، و«شرح الجزرية» له أيضا (288).
([25]) ينظر: «الأصوات الغوية» (101 و 104)، و«مناهج البحث في اللغة» لتمام حسان (92 و 94)، و«المدخل إلى علم اللغة» (54 و 79).
 وبعضهم صرح بذلك في ما يخص الطاء بعينها.
 ولعل هذا السبب يرجع إلى أنّ رُوّادَ الدراساتِ الصوتيةِ الحديثةِ الأوائلَ كانوا مصريين، فمن المستبعَدِ أن يستعينوا بغير أهلِ بلدِهم في تجاربهم، ولا سيما أن مشاهير القراء واللغويين في ذلك الوقت كان أكثرُهم من المصريين. وهذا الكلام إنما يتناول بالدرجة الأولى أهل الحواضر من المصريين (ولا سيما القاهريين)، لا أهل البوادي؛ لأن كثيرا من أهل البوادي المصرية يختلف نطقهم كثيرا عن أهل الحواضر.

الأحد، 4 مارس 2018

أهمية الموضوعية والأمانة العلمية في البحث العلمي

بعض الناس يَكْتُبُ مقالًا أو بحثًا في مسألةٍ خلافيةٍ ويدَّعي أنه يأتي فيها بالأقوال المختلفة ويعرِضُها عرضًا موضوعيًّا، ثم إذا نظرتَ وجدتَ أن كل المقال وكل البحث إنما يخدم رأيه الذي يتبناه، حتى أقوال المخالفين لرأيه يورِدُها مبتورةً أو يعرِضُها مشوَّهةً ليصل إلى إخفاء ما هو ضده.. ثم تجده ينتسب لطلب العلم والمنهج السلفي!
ماذا ترك هذا لأهل البدع؟! وأين هي الموضوعيَّة التي يدَّعيها؟! 
قال وكيع بن الجراح: (أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأهل البدع لا يذكرون إلا ما لهم).
وسبب كتابتي هذا الكلامَ أني كنت أبحث عن مذاهب العلماء في مسألةٍ، فوجدت بحثا عنوانه برّاق يدّعي أنه ينقل المذاهب في المسألة و و و 
فلما قرأتُه ورأيتُ أسلوب كاتبه فيه تذكرت المثل القائل: (أن تسمع بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه).
هناك فرق بين أن تعرض رأيك في مسألةٍ ما وتدعم كلامك بكلام من وافقك، وبين أن تدّعي أنك تستوعب الخلاف وتبحث في المسألة بحثا موضوعيا..
ففي الحالة الثانية أنت مسؤول عن تفريطك في جانب النزاهة والموضوعية التي يتطلبها البحث العلمي الجادّ، وفي جانب الأمانة العلمية التي يتطلبها النقل عن الآخرين لا سيما من يخالفُ رأيُه رأيك.
فأنت في النوع الأول تعبر عن رأيك، لكن في النوع الثاني تحكي آراء الآخرين، فإن لم تكن أمينا في النقل نزيها في عرض الحقائق فأنت حينئذ تعرض الحقائق بشكل يخالف ما هي عليه!

القياس النحوي بين البصريين والكوفيين

القياس النحوي بين البصريين والكوفيين


لكي يصاغ أيُّ علمٍ صياغة دقيقة لا بد له من اطراد قواعده، وأن تقوم على الاستقراء الدقيق، وأن يُكفل لها التعليل، وأن تصبح كل قاعدة أصلًا مضبوطًا تقاس عليه الجزئيات قياسا دقيقا. وكل ذلك نهض به البصريون، وبدأت طلائعُه عند عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، الذي يُعَدُّ أول نحوي بصري حقيقي، ثم حَمَلَ الرايةَ عنه تلاميذُه، ولا سيما الخليل وسيبويه. فكان البصريون بذلك أسبقَ من الكوفيين إلى دراسة النحو استقراءً وتقعيدًا وتأليفًا.
وقد امتاز منهج البصريين بابتناء قواعده على الأكثر الشائع من كلام العرب، فقد اشترطوا في الشواهد المستمد منها القياس أن تكون جارية على ألسنة العرب الفصحاء، وأن تكون كثيرة بحيث تمثل اللهجة الفصحى، وبحيث يمكن أن تُستنتج منها القاعدة المطردة، وتشددوا في الحرص على اطراد قواعد نحوِهم تشددا جعلهم يطرحون ما خالفَها وشذ عنها، ولا يعولون عليه في قليل أو كثير، وكلما اصطدموا به خطؤوه أو أولوه أو رموه بالشذوذ أو القلة أو الندرة. 
وأما من حيث الاستقراء فقد اشترطوا صحة المادة التي يشتقون منها قواعدهم، ومن أجل ذلك رحلوا إلى أعماق نجد وبوادي الحجاز وتهامة يجمعون تلك المادة من ينابيعها الصافية التي لم تفسدها الحضارة، وبعبارة أخرى: رحلوا إلى القبائل المتبدية المحتفظة بملكة اللغة وسليقتها الصحيحة، وهي قبائل قيس وتميم وأسد، وهؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أُخذ ومعظمه، وعليهم اتُّكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فإنهم لم يأخذوا عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم.
أما الكوفيون فقد اتسعوا في رواية الأشعار وعبارات اللغة عن جميع العرب بدويهم وحضريهم، كما اعتدوا بالأشعار والأقوال الشاذة التي سمعوها على ألسنة الفصحاء، مما خرج على قواعد البصريين وأقيستهم ومما نعتوه بالخطأ والغلط.
وكان ذلك بدءًا لخلاف واسع بين المدرستين، فالبصرة تتشدد في فصاحة العربي الذي تأخذ عنه اللغة والشعر، والكوفة تتساهل، مما جعل بعض البصريين يفخر على الكوفيين بقوله: (نحن نأخذ اللغة عن حرشة أكلة الضباب وأكلة اليرابيع، وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز وباعة الكواميخ). يعني بذلك أنهم يأخذون عن البدو الخلص، وهم يأخذون عن عرب المدن.
ولم تقف المسألة لدى الكوفيين عند حد الاتساع في الرواية، بل امتدت إلى الاتساع في القياس وضبط القواعد النحوية، ذلك أنهم حاولوا أن يقيسوا عليها، وقاسوا كثيرا، مما أحدث اختلاطا وتشويشا في نحوهم (في رأي كثير من الناس)؛ لما أدخلوه على القواعد الكلية العامة من قواعد فرعية قد تنقضها نقضا، مع ما يؤول إليه ذلك من خلل في القواعد، وقال بعض خصومهم: (لو سمع الكوفيون بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلًا، وبوبوا عليه)، وقالوا: (عادة الكوفيين إذا سمعوا لفظًا في شعر، أو نادر كلام جعلوه بابًا أو فصلا).
فكِلَا المذهبين مِن أصولِهما السماعُ والقياسُ، ولم يكن أحدُهما قياسيًا صِرْفًا أو سماعيًّا صِرفًا.
ولعل صنيع البصريين في هذا الجانب هو الذي جعل نحو المدرسة البصرية يظل هو المسيطر على المدارس النحوية التالية، وعلى جميع الأجيال العربية التي جاءت من بعدهم.
على أن المدرسة البصرية حين نحّت الشواذ عن قواعدها لم تحذفها ولم تسقطها، بل أثبتت جمهورَها، نافذة في كثير منها إلى تأويلها؛ حتى تنحي عن قواعدها ما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من أن خللا يشوبها، وحتى لا يغمض الوجه الصحيح في النطق على أوساط المتعلمين، إذ قد يظنون الشاذ صحيحا مستقيما فينطقون به ويتركون المطرد في لغة العرب الفصيحة وتصاريف عباراتهم وألفاظهم. ومن هنا يتضح خطر قواعدهم بالقياس إلى ما زاده الكوفيون من قواعد استنبطوها من الشواذ النادرة، إذ إن ذلك يعرض الألسنة للبلبلة، لما يعترضها من تلك القواعد التي قد تـخنق القواعد العامة، وقد ينجذب إليها بعض من لم يفقه الفرق بين القاعدة الدائرة على كثرة الأفواه، بل على كثيرها الأكثر، والقاعدة التي لم يرد منها إلا شاهد واحد، مما قد يؤول إلى اضطراب شديد في الألسنة.
ثم إن الكوفيين لم يقفوا بقياسهم عند ما سمعوه ممن فسدت سلائقهم من أعراب المدن، أو ما شذ على ألسنة بعض أعراب البدو، فقد استخدموا القياس أحيانًا بدون استناد إلى أي سماع، كما فعلوا في قياسهم العطف بـ(لكن) في الإيجاب على العطف بـ(بل) في مثل: (قام زيد بل عمرو)، فقد طبقوا ذلك على (لكن) وأجازوا: (قام زيد لكن عمرو) بدون أي سماع عن العرب.
وفي المقابل كانوا يرفضون السماع أحيانًا، وبالتالي يرفضون ما يُبنى عليه من قواعد وأحكام، وذلك كرفضهم الاعتداد بما رواه سيبويه في «الكتاب» من إعمال أسماء المبالغة في أقوال العرب الفصحاء وأشعارهم، فقد روى قولهم في الاختيار: (أما العسلَ فأنا شرَّاب) بنصب العسل مفعولا به لشراب، كما روى طائفةً من الأشعار عملت فيها صيغُ مبالغة، وحجتهم أن هذه الأسماء فرع عن أسماء الأفعال، وأسماء الأفعال فرع عن الفعل المضارع؛ ولذلك ضعف عملها.
بل إنهم رفضوا بعض القراءات، كالقراءة التي فيها إعمالُ (إن) المخففةِ من الثقيلةِ النصبَ في نحو قوله تعالى: {وإِنْ كُلًّا لما ليوفينَّهم ربُّك أعمالهم}، حيث زعموا أن الثقيلة إنما عملت لشبهها بالفعل الماضي في بنائها على ثلاثة أحرف وأنها مبنية على الفتح مثله، فإذا خففت زال شبهها به فوجب أن يبطل عملها، ولم يلتفتوا لاحتجاج البصريين عليهم بقراءة نافع وابن كثير، وهما من القراءات السبع. فحجبهم التعليل المنطقي الخالص عن منطق اللغة وتصاريف عباراتها الفصيحة السليمة.
وليس البصريون بناجين مما وقع فيه الكوفيون، فهم أيضًا كانوا يخالفون أصولَ مذهبِهم ويخرجون عنها في بعض المسائل، إلا أن هذا الأمر في عمومه (سواء عندهم أم عند الكوفيين) ليس كثيرًا.
وقد اتجه الباحثون المحدثون إلى اعتبار المذهب البصري مذهب قياس، وعدّوا المذهب الكوفي مذهب سماع. ويميل كثير منهم إلى أن المذهب الكوفي أكثر تشعبًا وأوسع رواية، والمذهب البصري أوسع قياسًا وأضيق رواية، على أن اتساع القياس البصري المبني على العلل العقلية قد يمنع السائغ، ويضيق عن المسموع، وهذا ما دعا المتأخرين من النحاة ألا يجروا على منهاجهم أو يأخذوا أخذهم، فقد حكي عن عدد من متقدمي البصريين أنهم ردوا بعض القراءات القرآنية لخروجها عن قراءة الجمهور، وقد نزع المتأخرون إلى مخالفتهم فارتضوا القراءات جميعًا واقتاسوا بها، واتـخذوا منها موضعًا لاستقرائهم واستنباط أصولهم، شاعت لغتها أم لم تشع؛ لأن في ذلك ثراء لأساليب القول في اللغة فوق ثرائها، وإغناء لمذاهب الكلام فوق اتساعها وتشعبها واستيعابها، وآيُ القرآن (بأي قراءة قرئت) محصنة من نظر الناقد والمعترض، مرتفعة عن مقام المتعقب والمستدرك( ).


كتبه 
علي المالكي



المصادر والمراجع:
«الاقتراح في أصول النحو وجدله» لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق وشرح محمود فجال، دار القلم – دمشق، ط1، 1409هـ.
«المدارس النحوية» لأحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف، دار المعارف – مصر، لا ط، لا ت.
«القياس النحوي» لخالد حسن أبو عمشة، مصفوف على الحاسوب، من منشورات موقع الألوكة.

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017

الرد على من ابتدع مذهبا جديدا في كيفية أداءِ الإشمامِ في {سيء} وبابه

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد بَلَغَنِي أنَّ أحدَ معلمي القرآن من الجنوب الليبي يقول: (إن ضم الشفتين عند أداء الإشمام في (سيء) و(سيئت) يبدأ من أول النطق بغنة الإخفاء التي قبل السين)!
وحكى هذا المذهبَ عن أحدِ المعلمين المشهورين بمدينة طرابلس.
وهذا المذهب باطلٌ بلا شك، سواء من الناحية العقلية أم من الناحية النقلية.
أما من الناحية العقلية؛ فقولهم هذا يعني النطق بإخفاء مُشَمٍّ، وهذا أمر لا وجود له في التجويد.
وحتى لو تَنَزَّلْنَا معهم في ذلك فهل كل كلمة من كلمات هذا الباب مسبوقة بتنوين مُخفى؟
الجواب: لا. ويكفينا في هذا مثال واحد يتضح به المقام وتقوم به عليهم الحجة..
في قوله تعالى: {وغيض الماء} الفعل (غيض) مسبوق بواو مفتوحة، فإذا قرأ هؤلاء بقراءة الكسائي أو رواية هشام أو رواية رويس فكيف سيفعلون؟ من أين سيأتون بتنوين مخفى؟ ونحن نعلم أن كلمات هذا الباب مجراها واحد.
وأما من الناحية النقلية (وهي الأهم)؛ فالمعروف عند علماء هذا الفن أن في كلمات هذا الباب مذهبين: الشيوع والإفراز.
أما الشيوع فأن تنحو بكسرةِ فاءِ الفعلِ نحو الضمة قليلا، وتميل الياء الساكنة بعدها نحو الواو قليلا؛ لأنها تابعة لحركة ما قبلها.
وأما الإفراز فأن تجعل فاءَ الفعل محركةً بحركتين متتاليتين، أُولاهما ضمة، والثانية كسرة، ويكون زَمَنُ جزءِ الضمّةِ أقلَّ مِن زَمَنِ جزءِ الكسرةِ، ثم تُتبِعُ هذه الكسرة بياء مدية محضة، وهذه الياء هي عين الفعل، وسببُ تمحُّضِها أن الذي سبقها هو جزء الكسرة.
والمذهب الأول هو اختيار الداني والشاطبي وكثير من العلماء
قال الداني في «جامع البيان»: «وحقيقة الإشمام في هذه الحروف: أن تنحى بكسر أوائلها نحو الضمة يسيرا؛ دلالةً على الضم الخالص قبل أن تُعَلَّ» اهـ.
قال الشاطبي:
وقِيلَ وغِيضَ ثمّ جيء يُشِمُّها
 لدى كسـرِها ضـمّا رجـالٌ لِتَكْمُـلا
وحِيلَ بإشمامٍ وسيقَ كما رَسَا
 وسيء وسيئت كان راويه أَنْبَلا
قال السخاوي: «وحقيقة هذا الإشمام: أن تنحو بكسرة فاء الفعل نحو الضمة، فتمالُ كسرةُ فاءِ الفعل، وتميل الياء الساكنة بعدها نحو الواو قليلا؛ إذ هي تابعة لحركة ما قبلها. 
والعلماء يعبرون عن هذا بالإشمام، والروم، والضم، والإمالة.
وإنما اختار من هذه الألفاظ الإشمام لأنها عبارة عامة النحويين وجماعة من القراء المتأخرين، وفي العبارة بها تنبيه على أن أول الفعل لا يُكسر كسرة خالصة. 
والذين سموه رومًا قالوا: هو روم في الحقيقة، وتسميته بالإشمام تَجَوُّزٌ في العبارة.
والذين سموه ضما -وهم عامة القراء- فإنما عبروا عنه بذلك كما عبروا عن الإمالة بالكسر تقريبا ومجازا، لأن الممال فيه كسر، وهذا فيه شيء من الضم.
والذين عبروا عنه بالإمالة فلأنه قد دخله من الخلط والشوب ما دخَل الإمالة، فالحركة ليست بضمة محضة ولا كسرة خالصة، كما أن الإمالة ليست بكسر محض ولا فتحٍ خالص» اهـ ملفقا من موضعين من شرحه.
وقال أبو شامة في (إبراز المعاني): «والمراد بالإشمام في هذه الأفعال أن ينحى بكسر أوائلها نحو الضمة وبالياء بعدها نحو الواو، فهي حركة مركبة من حركتين كسر وضم، لأن هذه الأوائل وإن كانت مكسورة فأصلها أن تكون مضمومة؛ لأنها أفعال ما لم يسم فاعله؛ فأشمت الضم دلالة على أنه أصل ما يستحقه، وهو لغة للعرب فاشية، وأبقوا شيئا من الكسر تنبيها على ما استحقته هذه الأفعال من الاعتلال» اهـ.
وقال أبو محمد المالقي في شرحه على (التيسير): «اعلم أن حقيقة هذا الإشمام أن تضم شفتيك حال النطق بكسرة القاف من {قيل} والغين من {غيض} والجيم من {جائ}، فيخرج صوت الكسرة مشوبا بشيء من لفظ الضمة من غير أن ينتهي إلى الضم الخالص، ويصحب الياء التي بعد هذه الكسرة شيء من صوت الواو من غير أن ينته إلى الواو الخالصة، بل لا بد من أن يكون الغالب في النطق لفظ الكسرة ولفظ الياء» اهـ. 
إلى غير ذلك من النقول.
وهذه الكيفية هي التي يُحمل عليها كلامُ الشاطبي؛ إذ هي التي يدل عليها ظاهرُ كلامِه، إضافة إلى أن السخاوي تلميذ الشاطبي نصَّ عليها، وهو أدرى بمذهب شيخه وبمراده بكلامه، وكذا أبو شامة تلميذ السخاوي أدرى بمذهب شيخ شيخه وبكلامه من غيره ممن لم يحظَ بهذه المنزلة، إضافة إلى أنها مُختارُ الداني نَصًّا في (التيسير) الذي هو أصل (الشاطبية).
وأما المذهب الثاني فقد قال به كثير من القراء من المتقدمين والمتأخرين، منهم الجعبري والنويري وابن البناء والضباع وغيرهم، وهو المذهب المشهور في عدد من البلدان في زماننا، إلا أنه ليس هو المختار من طريق (الشاطبية) -على الصحيح-، وإن قال به كثير من شراحها؛ لأن الأدلة تدل على خلافِ ما قالوا -كما سبق-.
فبهذا كله يتبين لنا أن ما ذكره أولئك الناس لا حظ له من نقلٍ ولا عقل.
فأدعوهم (وفقنا الله وإياهم!) إلى الرجوع إلى الصواب وعدم الابتداع في القراءة، فإن هذا العلم مبناه على الاتباع لا على الابتداع، وشعارُ القراء: (القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.

كتبه
علي المالكي

الاثنين، 16 أكتوبر 2017

دروسي على يوتيوب

https://www.youtube.com/channel/UCTj3gbJoC0sar5No7Chf_xw
الدروس:
شرح الجزرية
شرح أصول رواية قالون
شرح أصول رواية حفص
شرح تحفة الأطفال

حوار مع أصحاب التحريرات

https://www.facebook.com/ajurry.quran.academy/videos/701706073361297/

قواعد الكتابة في (أدب الكاتب) لابن قتيبة

قواعد الكتابة في (أدب الكاتب) لابن قتيبة
دراسة وصفية تحليلية موازنة
بحث لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الليسانس في اللغة العربية
إعداد الطالب: علي أمير علي مسعود المالكي
إشراف: د. محمد حامد خالد نوح
العام الدراسي 1438هـ - 2017م
أجيز البحث بدرجة 97 / 100
رابط صفحة التنزيل:
https://goo.gl/CU765F